القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٣٩

الطرف عن السكران لا يقيمون عليه الحد(1)، وممَّا روي في هَذَا الخصوص أنَّ أحد القضاة التقي مصادفة برجل سكير فحاول هَذَا الأخير الهروب حتَّى لا يراه القاضي لكنَّه من شدَّة سكره لم يقو عَلَى ذلك فقال شعرًا:

ألاَّ أيُّها القاضي الذي عمَّ عدله فأضحى به في العالمين فريدا

قرأتُ كتاب الله ألف مرَّة فلم أر فيه للشراب حدودًا

فإن شئت أن تجلد فدونك منكا صبورًا عَلَى ريب الخطوب جليدا

وإن شئت أن تعفو تكن لك منَّة تروح بها في العالمين حميدا

فلمَّا سمع القاضي هَذَا الشعر؛ أعرض عنه وتركه وشأنه(2).

وممَّا يدخل ضمن إطار هيبة القاضي فلا بأس أن نعيد ما جرى للقاضي عبد الله بن عمر بن غانم الذي كان يقطع سماط القيروان مع الأمير فحرَّك الأمير دابته فأسرعت، ولم يشأ ابن غانم تحريك دابته هو الآخر للالتحاق بالأمير، وإنَّما ترك الأمير وتوجه هو إِلىَ داره. ولمَّا افتقده الأمير عند الوصول إِلىَ دار الإمارة قيل له: إنَّه فارقك منذ المكان الفلاني فبعث في طلبه فأتاه، فقال له: ما حملك عَلَى أن عطفت عنِّي وفارقتني؟ قال: أصلح الله الأمير، إِنَّمَا القاضي بحرمته، وإنَّما تنفذ أحكامه بقدر وفور جاهه، وإنِّي رأيتك حركت دابتك، ولو حركت دابتي سقطت قلنسوتي وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي وضحك

(1) - انظر المبحث الثالث في الفصل الرابع من الباب الأوَّل. وممَّا يذكر في تساهل بعض أمراء بني الأغلب في الخمر أنَّ أحدهم منع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فكتب بعضهم إليه:

يا سيد الناس وابن سيدهم … ومن إليه الرقاب منقادة

ما حرم الخمر في مدينتنا … وَهْوَ حلال بأرض رقادة؟

انظر ابن عذارى: 1/ 207.

(2) - النباهي: قضاة الأندلس، 85، يقول: إنَّ القاضي من قضاة ألبيرة بالأندلس.

٦٤٦ / ٧٤٣