القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٤١

وعليه جُمَّة(1) مفرَّقة وكان يجلس للقضاء عَلَى هَذِهِ الهيئة، كما أنَّه يخطب يوم الجمعة من عَلَى منبر المسجد الجامع بهذه الهيئة. ويحكى أنَّه جاءه رجل غريب، ربَّما من أهل المغرب؛ فلمَّا رآه في «زيّ الحداثة من الجمَّة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه، لم يتوسم عليه القضَاء؛ فقال لبعض من يجلس إِلَيهِ دلُّوني عَلَى القاضي؟ فقيل له: ها هو ذا وأشير له إِلىَ القاضي؛ فقال لهم: إنِّي رجل غريب وأراكم تستهزئون بي. أنا أسألكم عن القاضي، وأنتم تدلُّوني عَلَى زامر .. ؟!»(2).

اتُّهم بعض القضَاة وبخاصة منهم الأحناف بقلَّة العلم وقصر الفهم؛ ومنهم القاضي سليمان بن عمران الذِي حجَّر عَلَى أبي عبد الله محمَّد بن زرزر الفقيه ذي المناقب الجليلة(3) وذلك لمَّا تغيِّر عقله. فوجد سليمان القاضي سبيلا إِلَيهِ فحجَّر عليه إِلاَّ أنَّ سليمان بن عمران كان يضطر إِلىَ استشارته ويبعث إِلَيهِ برسله في ذلك. فقال ابن زرزر مرَّة للرسول «يكون تجوابي له مشافهة؛ فأتاه فقال له: أقول لك: إن كنت حَرَبتَنِي(4) وأنا عندك سفيه غير رشيد، فقد أخطأت … وإن كنتُ عندك رشيدا غير سفيه فقد أخطأت في حَجرك عليَّ؛ ثمَّ كبَّر عليه أربع تكبيرات كما يكبَّر عَلَى الميِّت وانصرف»(5).

وفي العلم دائمًا يذكر ابن عذاري أنَّ محمَّد المعروف بابن جيمال الحنفي

(1) *- الجُمَّة بالضم: مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوفرة، والجمة من شعر الرأس ما سقط عَلَى المنكبين. انظر: لسان العرب، 1/ 505؛ مادَّة «جمم»

(2) - الخشني: قضاة قرطبة، 32.

(3) - انظر ترجمته في المالكي: رياض، 1/ 514 - 516.

(4) *- الْحَرَب بالتحريك: أن يسلب الرجل ماله، حَرَبه يحربه إذا أخذ ماله فهو محروب. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 595، مادة «حرب».

(5) - المالكي: رياض، 1/ 514.

٦٤٨ / ٧٤٣