الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٤٣وتساءل قاض، فقال: ولِّيتُ القضاء فبكى أهلي فلمَّا عزلت بكى أهلي فما أدري مِمَّ ذلك؟ فقيل له: وليت القضاء وأنت تكرهه، وتجزع منه، فبكى أهلك لجزعك، وعُزلت عنه فكرهت ذلك وجزعت فبكى أهلك لجزعك، فقال القاضي: لمخبره صدقت(1).
وعزل الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بعض قضاته فقال القاضي: لم عزلتني؟ فقال له عمر: بلغني أنَّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك(2).
وفي مجلس القضاء قد تحدث بعض الأمور التي ينفلت زمامها من يد القاضي فيضطرّ إليها القاضي اضطرارًا مجبرًا غير مخيَّر. وقد رأينا كيف أنَّ بعض القضاة رفضوا الأجرة عَلَى القضاء وبخاصة في إفريقيَّة الأغلبيَّة في حين قبلها أغلبهم، وفي يوم من أيَّام هؤلاء جاء مؤدِّب (معلم) إلى القاضي ليشهد عنده، فقال له القاضي: لا أقبل شهادتك لأنَّك تأخذ عَلَى القرآن أجرًا(3). قال: وأنت تأخذ عَلَى القضاء بين المسلمين أجرًا؟! فقال القاضي: أنا أُكرهت عَلَى القضاء، فأجابه المؤدب: يا هذا، القضاء أكرهت عليه فهل أكرهت عَلَى أخذ الرزق؟ عندئذ قال القاضي: هلمَّ شهادتك(4).
وقد يلجأ القاضي إِلىَ الحيلة لحلّ قَضِيَّة شائكة مثلما كان يفعل سليمان بن عمران الذي «كان من شيمه أنَّه يجلس قبل خروجه إِلىَ الناس في مكان (خفي) يسمع منه كلامهم وما يجري من القول بينهم»(5)، وهكذا
(1) - رابح خدوسي: طرائف اقضاة واللصوص، دار الحضارة، بئر توتة، الجزائر، 1973، ص64.
(2) - رابح خدوسي: نفسه، 46.
(3) - يقول ابن سحنون: إنَّ أكثر المعلِّمين للصبيان سقطت شهادتهم لأنَّهم يعلِّمون في المساجد. أجوبة (مخ) ق54ظ.
(4) - ابن قتيبة: عيون الأخبار، 1/ 69.
(5) - الخشني: طبقات، 182 - 183.