الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٤٥جناية فلمَّا لم يجد لها حكمًا في كتاب الله بجهله جمع الفقهاء وقال لهم: ما رأيكم في ضرب المصحف بعضه ببعضه وفتحه فما خرج عملنا به؟ فقالوا له: لقد وفِّقت. ولما فعل خرج قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ﴾(1)، فما كان للقاضي إِلاَّ أن جدع أنف الجاني وَهُوَ يظنّ أنَّه قد أحسن حكما وصنعا.
لقد كثر المتنبئون في المشرق بعكس المغرب ربَّما ذلك يعود إِلىَ رسوخ العقيدة وقوَّة الإيمان من جهة وبساطة الحياة المغربيَّة من جهة أخرى، لذلك لم نسمع عن متنبإ صدر ضدَّه حكم أو نفذ عيه الاعدام.
ففي فترة الاعتزال بالخلافة الاسلامية وَعَلَى عهد الخليفة المأمون وقاضيه المعتزلي يحيى بن أكثم ادَّعى أحدهم النبوَّة فتنكَّر المأمون والقاضي فقصداه وجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فقالا له: فيمَ تنبَّأت؟ فقال: إنَّ جبريل أتاه وأوحي إليه، أنَّه سيدخل عليه رجلان يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، والذي عن يساره ألوط خلق الله وكان هو القاضي يحيى بن أكثم فقام المأمون عن المتنبإ وَهُوَ يقول: «أشهد أن لا إله إِلاَّ الله وأنَّك رسول الله» وخرجا يضحكان(2).
ويروى أنَّه تقدَّم رجلان إِلىَ مجلس القاضي وادعى أحدهما عَلَى الآخر شيئًا، فقال القاضي للمُدَّعَى عليه: ما تقول؟ فضرط بفمه. فقال المدَّعِي: يسخر بك أيُّها القاضي، فقال القاضي: اصفع يا غلام. فقال الغلام: من أصفع الذي سخر منك أم الذي ضرط عليك؟ فقال القاضي: بل دعهما واصفع نفسك(3).
(1) - سورة القلم: 16.
(2) - ابن عبد ربه: العقل فريد، 6/ 146؛ وانظر عن يحيى بن أكثم وتهمة لواطه عصام شبارو، القضاء، 223 - 226.
(3) - عصام شبارو: القضاء، 213.