الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٤٦وربما كره بعضهم القاضي واستثقل مهنته أو احتقرها وامتهنها وممَّا يروى في هَذَا الصدد أنَّ معلِّما أتى نخاسًا، فقال له: «اطلب لي حمارًا ليس بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري ولا يدخلني تحت البواري، إن كثَّرت علفه شكر وإن أقللته صبر، إن حرَّكته هام وإن ركبه غيري نام. فقال النخاس: يا عبد الله؛ اصبر قليلاً، فإن مُسخ القاضي حمارًا أصبت حاجتك»(1) لا أعتقد أن يقال هَذَا في القاضي إِلاَّ أن يكون جائرًا جبَّارًا وإلاَّ فإنه من حمق هَذِهِ الشريحة من النخاسين وجهلهم.
هكذا نلاحظ أنَّ الكثير من النوادر التي قيلت في القضاء هي عن القضاة الأحناف في المصادر المالكيَّة مِمَّا ينمّ عن استهزاء وسخريَّة بعلمهم، مثلهم مثل المعتزلة، وقد رأينا كيف أنَّ قاضي القضاة يحيى بن أكثم ينسب إِلىَ اللواطة.
ومجمل القول إنَّ القضاء في المغرب الإسلاميِّ خلال فترة موضوعنا وجدناه وقورًا مهيبًا لم ينفلت منه إِلاَّ القليل جدًّا من النوادر والملح حاولنا تنميقها ببعض المضحكات الأندلسيَّة والمشرقيَّة ترفيها عن النفس واستئناسًا بها في هَذَا المبحث.
- - - -
(1) - مجلَّة الفيصل: عدد214، سبتمبر أكتوبر1994، ص91.