الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٨إن الكتاب يتجاوز في صفحاته أربعمائة صفحة، إلا أننا لو عمدنا إلى استخراج الروايات المتعلقة بتاريخ الأدارسة منه مباشرة لما تجاوز الخمسين صفحة، وهذا مما يدل على مدى صعوبة الوصول إلى شيء من الأخبار التي يرتاح إليها العقل وإلا فإن تاريخ الأدارسة على عكس ما يعتقده الحلبي زالت آثاره واندرست أعلامه وأصابه من النسيان والإهمال ما لم يصب تاريخ الدول المعاصرة لهم.
وفي المغرب الأقصى قامت دول بني مدرار وبرغواطة وبني صالح وكلها كيانات سياسية معاصرة لم يبق من آثارها إلا ما حفظته بعض المصادر المتأخرة والتي لا تنتمي إليها "أغلبها … مصادر معادية للخوارج دأب أصحابها على تشويه سيرهم والطعن في مبادئهم وأفكارهم"(1). فمصادر الصفرية "أبيدت عن آخرها إذ أحرقها الفاطميون حين استباحوا مدينة سجلماسة عام 297ه"(2).
هكذا نجد نتفاً من التاريخ في هذه الكيانات متناثرة هنا وهناك في بعض المصادر التي سلف ذكرها كابن عذاري المراكشي وابن أبي زرع وابن الخطيب وابن خلدون الذي لم يسلم هو الآخر من المزالق التي حذر المؤرخين منها فكان في "عبره" "يتعاطف مع العلويين ويندد بالخوارج"(3)، ولعل أهم مصدر اعتمده الذين جاؤوا من بعده في تاريخ برغواطة وبني مدرار كتاب أبي عبيد الله البكري المتوفى عام 487ه/ 1094م: "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب"(4)، وهو كتاب جغرافي تحدث مطولاً عن برغواطة وبعض شرائعها وأمرائها كما لم يهمل الحديث عن الكيانات السياسية الأخرى في المغرب الإسلامي بعامة والمغرب الأقصى
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج، 6.
(2) - محمود إسماعيل: قضايا في التاريخ، 95.
(3) - محمود إسماعيل: نفسه. وانظر كتابنا الدولة الرستمية، 37 - 39.
(4) - هو جزء من كتاب المسالك والممالك، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857، أعادت تصويره مكتبة المثنى ببغداد بالأوفست.