الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٤على حدٍّ سواء، وإرهاقهم بالضرائب الثقيلة وامتصاص كلِّ مواردهم(1) إذلالاً لهم وإخضاعا لغلبتهم … فما كان من البربر إلا الثورة ضدَّ الوجود البيزنطيِّ رغم أنهم كانوا قد استقبلوهم بحفاوة وساعدوهم في القضاء على الوندال «الأريوسيون» الذين مارسوا عليهم كلَّ أنواع الجور. فالبيزنطيون لم يكونوا بأحسن من الوندال من حيث سياسة الجباية، وملاحقة البربر في الجبال، وتقتيلهم، ومصادرة أموالهم، فضلا عن تلك النزاعات الدينية التي كان السكَّان هم الذين يدفعون ثمنها في نهاية المطاف(2).
وهكذا فإنَّ البيزنطيين - بسياستهم الجائرة وأحكامهم غير العادلة تجاه رعاياهم - واجهوا حربا مزمنة ضدَّ القبائل البربرية(3)، ظلَّت تنهش كيانهم، إلى أن قدم العرب المسلمون بديانة جديدة وعهد جديد يختلف عن العهود السابقة من حيث مصدره الأسيوي وليس الأوربي(4)، ومن حيث أهدافه التي كانت ترمي إلى تحرير العباد من ربقة العباد، وتخليصهم من ظلم غيرهم لهم أو ظلم بعضهم بعضاً، هكذا كانت الدعوة الإسلامية التي تحمَّل عبأها العرب المسلمون الأوائل
(1) - يتحدَّث جوليان عن إيجابيات العهد البيزنطي في شمال إفريقيا، والحقيقة أنَّ تلك الإيجابيات كانت لبيزنطة دون الشمال الإفريقي، ثمَّ إنَّها، إن وُجدت، كانت محدودة الزمان والمكان، فالإمبراطور هرقل ( Heraclius) الذي تولَّى الإمبراطورية عام 610م أنعم على هذه الولاية التي رشَّحته إلى عرش الإمبراطورية بابن عمِّه الذي عرف عهده فترة من الهدوء. انظر جوليان: المرجع السابق، 1/ 379 - 380.
(2) - إبراهيم أحمد العدوي: الأمويون والبيزنطيون. الدار القومية للطباعة والنشر، بلا مكان. ط2، 1383هـ/1963م، ص232 - 233. وانظر إبراهيم جدلة: السياسة الجبائية في المغرب بين القرن الثاني والقرن الخامس هجري. أطروحة لنيل شهادة الكفاءة في البحث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، شعبة التاريخ. 1982 - 1983م، ص35 - 36.
(3) - جوليان: تاريخ إفريقيا، 1/ 365 - 380. حارش: تاريخ المغاربي القديم. 270 - 277.
(4) *- ان الغزاة لشمال إفريقيا كانوا دائما يغزونها من أوروبا ومن الشمال وبالتالي بحراً، والبيزنطيون وإن كانوا أسيويين إلا انهم غزوا وهيمنوا على المنطقة من الشمال، في حين يعتبر العرب المسلمون أول من قدم الشمال الافريقي من الشرق وفتحوا البلاد براً.