القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٧

زعماء البربر في هذه الفترة يتفاوضون الندَّ للندِّ مع السطلة الإمبراطورية البيزنطية»(1).

في هذا التحوُّل بهذا الزمن بالذات الذي رنا فيه البربر ببصرهم إلى آفاق الاستقلال عن الهيمنات والغزاة، إذا بالعرب المسلمين يدقُّون أبواب وطنهم، ويدخلون بقوَّتهم معلنين أنَّهم إنَّما جاؤوا برسالة سماوية ليس لسكَّان هذا الشمال الإفريقي إلاَّ اعتناقها، فإن أبَوْا فعليهم بالجزية، وإن أبوا الأمرين معاً فما عليهم إلاَّ أن يدافعوا عن أنفسهم وديارهم، فالقدر كتب عليهم أن يعيشوا دوماً تحت سلطة غيرهم، أو يعيشوا مع سلطة غيرهم جنباً إلى جنب شاؤوا ذلك أم أبوا.

وكانت المقاومة والحروب، فلم تفلح ممالك البربر الناشئة في صمودها، كما لم تفلح القبائل، وسرت العقيدة الإسلامية إلى وجدانهم فآمنوا بالديانة الخاتمة، وسمعوا نداء الإسلام، فانتصروا على هواهم، إذ بدخولهم الإسلام كسبوا إخوة جددا، وشعروا بالعزَّة تغمرهم، كما شعروا بالأفق يتَّسع أمامهم(2)، فلم يعد المغرب فقط موطنهم، وإنَّما المشرق كذلك، ولم يعد البربريُّ فقط أخاً للبربريِّ – رغم الاختلافات التقليدية بينهم – وإنَّما المسلمون كلُّهم إخوة، وهكذا يشعر البربريُّ لأوَّل مرَّة على ما يبدو بالعزَّة تغمر كيانه، إذ لم يخاطبه أحد من الغزاة السابقين بمثل ما خاطبه به العرب المسلمون، فالرومان والوندال والبيزنطيون(3) كانوا ينظرون إلى الأهالي نظرة استعباد واستعلاء، عاملوهم معاملة العبيد وأسَّسوا

(1) - Diehl: ibid، p539، note1، 540 - 541.

وانظر النويري: نهاية الأرب (تاريخ المغرب)، 191. ابن أبي زرع: الأنيس، 209 هامش 126. لقبال موسى: المغرب الإسلامي، 18. يوسف عيبش: المور والبيزنطيون، 116، 160 وما بعدها.

(2) - محمَّد الهادي الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل تاريخ الاستقلال. تعريب: محمَّد الشاوش ومحمَّد عجينة. سراس للنشر، تونس. ط2، 1985م، ص41.

(3) - وتبعهم على ذلك في القرن التاسع عشر 19م سليلهم الاستعمار الفرنسي.

٩٧ / ٧٤٣