الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٨لهم إدارة خاصة بهم، تعاملهم معاملة المواطن من الدرجة الثانية، مع أنَّهم في وطنهم وعلى أديم أجدادهم.
إنَّ البربريَّ إذن وجد ضالَّته التي كان يبحث عنها تحت ظلال رايات الإسلام، فأعداء الإسلام هم أعداؤه والمسلمون جميعا إخوانه، عدوُّه الأوَّل بيزنطة وحضارتها، حيث واصل، وهذه المرَّة، مع إخوانه العرب المسلمين القضاءَ على الوجود البيزنطيِّ في المنطقة، وأفلح في ذلك، فكأنَّه فتح بلاده بنفسه، وأعاد إليها استقلالها الذي فقدته منذ أمد بعيد.
إنَّ المغرب الإسلامي، هو المصطلح الذي سوف يرافق المسلمين في مختلف حقب تاريخهم بهذه البلاد، سوف يعرف إدارة جديدة ورجالاً جدداً، أحسن البربر استقبالهم لمَّا فهموا حقيقة فتحهم ودعوتهم، فهل يحسن الفاتحون إدارة هذا الإقليم؟ وهل يحسنون إلى أهله؟ وهل يوفِّرون لهم العدل الذي لم يجدوه مع الغزاة السابقين؟
إنَّ العرب والمسلمين منذ أن أعادوا الكرَّة الثانية لفتح هذه البلاد، بعد محاولتهم الأولى التي سبقت فتنة الصحابة(1)، ظلُّوا يرسِّخون أقدامهم على أرض
(1) - هي الفتنة التي تُعرف كذلك بـ"الفتنة الكبرى" والتي وقعت ابتداء من عهد عثمان بن عفَّان ومقتله سنة 35هـ/655م، واستمرَّت طيلة عهد عليّ بن أبي طالب. انظر عنها اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن واضح: تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت. 1379/ 1960. 2/ 180 وما بعدها. المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن: مروج الذهب ومعادن الجوهر. تح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر. ط4، 1384هـ/1964م، 2/ 355 وما بعدها. الطبري محمَّد بن جرير: تاريخ، 5/ 64 وما بعدها. طه حسين: الفتنة الكبرى، جزآن، دار المعارف، مصر. ط9، 1976م. وانظر بخاصة هشام جعيط: الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكِّر. تر. خليل أحمد خليل، ومراجعة المؤلِّف نفسه. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. بلا سنة الطبع. أما الأصل الفرنسي فمطبوع سنة 1989.