أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٢٩وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : إذَا عَلِمْت فَلَا تُفَكِّرْ فِي كَثْرَةِ مَنْ دُونَك مِنْ الْجُهَّالِ ، وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلَى مَنْ فَوْقَك مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَأَنْشَدْت لِابْنِ الْعَمِيدِ : مَنْ شَاءَ عَيْشًا هَنِيئًا يَسْتَفِيدُ بِهِ فِي دِينِهِ ثُمَّ فِي دُنْيَاهُ إقْبَالَا فَلْيَنْظُرَنَّ إلَى مَنْ فَوْقَهُ أَدَبًا وَلْيَنْظُرَنَّ إلَى مَنْ دُونَهُ مَالَا وَقَلَّمَا تَجِدُ بِالْعِلْمِ مُعْجَبًا وَبِمَا أَدْرَكَ مُفْتَخِرًا ، إلَّا مَنْ كَانَ فِيهِ مُقِلا وَمُقَصِّرًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجْهَلُ قَدْرَهُ ، وَيَحْسَبُ أَنَّهُ نَالَ بِالدُّخُولِ فِيهِ أَكْثَرَهُ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِ مُتَوَجِّهًا وَمِنْهُ مُسْتَكْثِرًا فَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ بُعْدِ غَايَتِهِ ، وَالْعَجْزِ عَنْ إدْرَاكِ نِهَايَتِهِ ، مَا يَصُدُّهُ عَنْ الْعُجْبِ بِهِ . وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ : الْعِلْمُ ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ فَمَنْ نَالَ مِنْهُ شِبْرًا شَمَخَ بِأَنْفِهِ وَظَنَّ أَنَّهُ نَالَهُ . وَمَنْ نَالَ الشِّبْرَ الثَّانِيَ صَغَرَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنَلْهُ ، وَأَمَّا الشِّبْرُ الثَّالِثُ فَهَيْهَاتَ لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ أَبَدًا .