الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري
الجزء ١ · صفحة ٢٤يوسف'' جاء في الحديث »ساكن الكفور كساكن القبور«(1) الكفور جمع كفر، وهي الأرض البعيدة عن الناس، وهو ما يعبّر عنه في اصطلاح عصرنا بالأرياف، وسكنى البدو يعدّ أنزل جدّا من سكنى القرى. بله المدن، حتّى أنّه كان في الإسلام من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من البدو من غير عذر يعدّ كالمرتد، فكان يحرم على المهاجر تركه هجرته ورجوعه للبادية، ويعدّ ارتداد المهاجر أعرابيا من الكبائر، ولكن كلّ هذا قبل فتح مكّة. فلمّا كان الفتح سقط فرض الهجرة وصارت السكنى في البدو جائزة. إنّما مع الكراهة. وذلك لما فيها من البعد عن العلم والدين والنور ففي الحديث »لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية«(2)
فكره شهادة البدو لما فيه من الجفاء في الدين، والجهالة بأحكام الشرع ولأنّهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وإليه ذهب مالك والناس على خلافه.
وقال صاحب سبل السلام(3) : ذهب الأكثر إلى قبول شهادتهم وحملوا الحديث على من لا تعرف عدالته من أهل البادية، إذ الأغلب أنّ عدالتهم غير معروفة. وقد استدلّ في البحر لقبول شهادتهم بقبوله - صلى الله عليه وسلم - لشهادة الأعرابي على هلال رمضان. اهـ.
وفيه أنّه قبل خبره لا شهادته وفرق بينهما. وأنت خبير أنّ الخبر يقبل ممّن
يطمئن القلب إلى صدقه وإن عبدا أو أمة. »والتصديق في باب الدين حجّة« بخلاف الشهادة التي يشترط فيها الحرية والعدالة والتعدّد. فإنّها لا تقبل منهما والله أعلم.
(1) - رواه البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان بلفظ »لا تسكن الكفور«.
(2) - رواه ابن ماجه عن أبي هريرة كتاب الأحكام باب من لا تجوز شهادته رقم: 2367.
(3) - محمّد بن إسماعيل الصنعاني: سبل السلام ج4 ص129.