اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحكام بين الإثبات والنفي أحمد بن سليمان بن محمد الخاطري

اجتهاد النبي (ص) في الأحكام بين الإثبات والنفي لأحمد الخاطري - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٣١

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَّكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾(1) ، هذا عتاب عَلَى قبوله الفداء من أسرى بدر، بعدما استشاره أصحابه في الأسرى، فرأى أبو بكر أن يأخذ منهم الفدية، ورأى عمر قتلهم، فمال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لرأي أبي بكر، فعاتبه الله بذلك؛ فدل عَلَى أَنَّ ذلك كان بالاجتهاد لا بالوحي.

وَمِمَّا يدل عَلَى ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(2) ، عاتبه الله عَلَى ذلك، ونسبه إلى الخطأ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، وهو يدل عَلَى الاجتهاد.

وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ﴾(3) ، والمشورة إِنَّمَا تكون فيما يحكم بطريق الاجتهاد، لا فيما يحكم بطريق الوحي، وروى الشعبي أَنَّ رسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقضي في القضية، وينزل بعد ذلك الوحي بغير ما قضى به، فيترك ما قضى به عَلَى حاله، ويستقبل ما نزل به القُرآن(4) .

وَمِمَّا يثبت وقوع الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - في الحروب، ما جاء في شرح مختصر الروضة من حديث الحباب بن المنذر لَمَّا أراد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل ببدر دون الماء؛ قال له: "إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة، فانزل بالناس عَلَى الماء لتحول بينه وبين العدو، فعاد إلى قولهم، فدل عَلَى أَنَّه من الاجتهاد(5) .

(1) سورة الأنفال: 67.

(2) سورة التوبة: 43.

(3) سورة آل عمران: 159.

(4) الإحكام: للآمدي، 4/ 223. أصول الفقه للخضري، 458. مصطفى سعد: مرجع سابق، 28. التحصيل في المحصول: مُحمَّد، 2/ 284. تيسير التحرير: لمحمد أمين، 3-4/ 185. وهبة الزحيلي، 2/ 1085.

(5) مختص الروضة، لنجم الدين أبي الربيع، 3/ 598.

٣١ / ٤٤