اجتهاد النبي (ص) في الأحكام بين الإثبات والنفي لأحمد الخاطري - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٣٢لقد تَقَدَّم الكلام في هذا الفصل كما رأينا، واختلاف الذي حدث بين العلماء في مسألة اجتهاد النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بين من يرون جوازه مطلقا ووقوعه، وبين من ينكرون ذلك، ومن جوزوه في بعض المسائل دون بعضها، ومن فصلوا بين هَذِه الأقوال في وقوعه وعدمه، ومن توقفوا في ذلك؛ وقد ذكرت في المبحث الأَوَّل والثاني أنواع اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - في الأمور الدنيوية، وفي الحروب وأهم ما يهمنا في هذا الفصل معرفة أدلة المثبتين والمنكرين لاجتهاده - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّهُ هو موضوع هذا البحث، ولكنني قد ذكرت فيما مضى – أي في المبحثين الأَوَّل والثاني من هذا الفصل – عن أنواع الاجتهاد، مِمَّا يَتَبَيَّن لي بعد ما اطلعت عَلَى كتب مختلفة رأيت أَنَّ هَذِه الأنواع التي ذكرتها هي نفس الأدلة التي اعتمدها المثبتون، وبذلك لا أرى حاجة إلى تكرارها واكتفت بذلك، وما بقي عَلَى إِلاَّ أن أسوق أدلة المنكرين ولو باختصار حتَّى يَتَبَيَّن الأصح والخطأ منها مع الرد عليهم من قبل المثبتين، ثُمَّ اختيار الصحيح من هذين القولين.
وبعد هذا الكلام الوجيز فلا يسعني إِلاَّ أن أشرع في هذا المبحث.
المبحث الثالث:
أدلة المانعين لاجتهاد النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الكِتَاب والمعقول، مع رد عليهم من قبل المثبتين
الكِتَاب: ليس له الاجتهاد لقدرته عَلَى النص بنزول الوحي؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(1) .
والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله؛ وقالوا من جانب آخر: إِنَّ المراد من هَذِه الآية القُرآن، لأنهم قالوا: إِنَّمَا يعلمه بشر.
رد عليهم الخضري: أَنَّ هذا النص إن سلم عَلَى عمومه فالقول بالاجتهاد ليس عن الهوى، بل عن الأمر به، فيكون الاجتهاد وما يستند إليه وحيا(2) .