فتاوى الشيخ أحمد الخليلي - الجزء الأول - الصوم أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى الخليلي- الجزء الأول- الصوم- مصحح

الجزء ١ · صفحة ٩

الصوم في السفر:

أيهما أفضل: الفطر، أم الصوم في السفر؟

جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ من طريق أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: "سافرنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم من المفطر، ولا المفطر من الصائم"، وروى الحديث الشيخان وغيرهما بلفظ: "فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"، وعلى كلتا الروايتين للحديث حكم الرفع، فأما على رواية الربيع، فإنه نفي أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاب صائما من مفطر، ولا مفطرا من صائم، أي لم يقرهم على الصوم وحده دون الإفطار، ولم يقرهم على الإفطار وحده دون الصوم، بل كانوا جميعا سواء في الحكم، وبذلك أقرهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما هم فيه.

أما على الرواية الأخرى فإن الحديث يدل على أنهم كانوا متقارين على الصيام والإفطار معا، وكان ذلك باطلاع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ السفر كان بصحبته، وفي هذا ما يدل على أن هذا الحكم أقره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقريره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفعله وكقوله، فيعطى الحديث حكم الرفع.

أما من حيث الأفضلية فالناس مختلفون في ذلك، فمنهم من فضل الصيام لقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم[184] ﴾(1) ، ولكن الآية ليست نصا في الموضوع، فهي جاءت بعد ذكر الفدية لمن كان مطيقا للصيام، وفي ذلك أخذ ورد بين العلماء، حتى أنهم اختلفوا في هذه الفدية: هل حكمها باق أو منسوخ، كما هو مبسوط في كتب التفسير والفقه.

أما الذين قالوا بتفضيل الإفطار على الصيام فقد استدلوا ببعض الروايات منها: حديث: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وهو حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري من طريق جابر بن عبد الله، ولكن في رواية الحديث ما يدل على السبب، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى رجلا قد ظلل عليه من شدة ما كان يلقى في صيامه، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ليس من البر الصيام في السفر))، أي إذا بلغ الإنسان إلى مثل هذه الحالة.

(1) … الآية: 184 من سورة البقرة.

٩ / ٤٨