فتاوى الخليلي- الجزء الأول- الصوم- مصحح
الجزء ١ · صفحة ١٠والحديث وإن استدل به الذين لم يجيزوا الصيام في السفر حتى قالوا: "من صام في سفره كمن أفطر في حضره" أخذا بهذا الحديث، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه أن يفطروا في عام الفتح، إلا أنه لا حجة في الروايتين على ذلك.
أما حديث: ((ليس من البر الصيام في السفر))، فهو وإن ورد بسبب خاص وكان بصيغة عامة، وقد قال العلماء: "لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ"، إلا أن هنالك قرائن تدل على مراعاة هذا السبب في مثل هذا الحكم مع الجمع بينه وبين الروايات الأخرى، هذه القرائن هي:
إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صام في السفر وأفطر، والصحابة كانوا يصومون ويفطرون، فمع وجود مثل هذه القرائن يتبين أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أراد تطبيق هذا الحكم على من وصل إلى هذه الدرجة من الضعف بسبب صيامه في سفره، فليس من البر أن يصوم، ومن العلماء من قال بأن ذلك ليس من البر الذي بلغ حد الكمال، ولا يعني أن ضده فجور، ومثله مثل قوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[92] ﴾(1) ، مع أن الإنسان إذا أنفق في نفقات التبرع من رديء ماله لا يقال بأنه ليس من الأبرار، وأن عمله هذا من الفجور، ولكن ليس من البر البالغ حد الكمال، وفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عام الفتح وأمره لأصحابه بأن يفطروا، إنما كان لأجل مواجهة العدو، وقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بداية الأمر أقر أصحابه من أراد منهم الصيام، فقد صام هو وأصحابه حتى بلغوا الكديد فأفطر، وأمر أصحابه بادئ الأمر بالإفطار، فكانت رخصة ـ كما يقول أبو سعيد الخدري ـ ثم قال بعد ذلك: ((إنكم مصبحوا عدوكم، فأفطروا، فالفطر أقوى لكم))، فكانت عزيمة، أي تحولت الرخصة إلى عزيمة من أجل مواجهة العدو، ولا يعني ذلك أن الفطر في السفر واجب على من كان قادرا على الصوم، بل هو مخيَّر بين الإفطار والصيام، وإنما يترجح الإفطار عندما يواجه الإنسان مشقة ويترجح الصيام عندما يكون في راحة من غير مشقة؛ لأن مشروعية الفطر في السفر من أجل دفع الضرر ونفي الحرج، ومع انتفاء الضرر ورفع الحرج يترجح الصيام في ذلك الشهر الكريم، حرصا على أن يكسب الصائم في ذلك فضل الشهر بجانب كسبه فضل الصيام، والله أعلم.
(1) … الآية: 92 من سورة آل عمران.