دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي مصطفى بن محمد شريفي

دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي

الجزء ١ · صفحة ١٦

5 - الوضوح:

العقيدة الإسلاميَّة واضحة المعالم، سهلة التصوُّر، لا خفاء فيها ولا غموض. بخلاف العقيدة في الفلسفة اليونانية: طلاسم وتجريدات لا يفهمها إلاَّ المختصُّون، بل يتخيَّلونها بالتخمين البعيد عن الواقع المحسوس.

وهي واضحة من حيث مبادئها، وأوَّلها توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن النقائص والأشباه والشركاء. بخلاف ما عند بعض المجتمعات من عقائد باطلة غامضة، كالتثنية والتثليث (1)، والنرفانا (2) وتناسخ الأرواح (3).

وهي واضحة من حيث التكليف ومسؤولية كلِّ إنسان عن عمله. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدَّثِّر: 38). بخلاف ما عند النصارى، في اعتقادهم أنَّ كلَّ إنسان يتحمَّل وزر خطيئة آدم، وأنَّ المسيح قد صُلب وخلَّص البشريَّة من خطئيتها الأولى.

6 - التوازن:

قال تعالى: ﴿وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، ومظاهر التوازن في العقيدة الإسلامية كثيرة، منها:

- التوازن بين الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة. خلافا لما عند الماديين قديما وحديثا، المنكرين لما وراء المادة (الميتافيزيقا).

- التوازن في مصادر المعرفة: بين العقل والنقل، أي بين الوحي وبين النظر العقلي.

- التوازن بين الإيمان بمشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية، أي بين التوكُّل على الله، وبين اتخاذ الأسباب.

- التوازن بين سموِّ الروح وسلامة الجسد. أي بين تزكية النفس، كما قال تعالى: ﴿قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9)، وبين أداء الحقوق الواجبة، كما في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» (1).

- التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص: 77).

(1) … التثنية: اعتقاد وجود إلهين: إله الخير وإله الشر، الظلمة والنور. والتثليث هو ما عند النصارى.

(2) … النرفانا: من عقائد الهندوس، وهو الوصول بطريق التعبد بتعذيب النفس إلى الصفاء الروحي.

(3) … تناسخ الأرواح: من عقائد الهندوس أيضًا، وهو أنه إذا مات الشخص الطيب حلَّت روحه في شخص آخر طيب، وأما السيئ فقد تحلُّ روحه في حيوان …

(1) … هذا من كلام سلمان االفارسي لأبي الدرداء، وقد أقرَّه النبيُّ *. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، رقم 5788.

وفي حديث آخر: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ *، فقال له: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ»، (رواه البخاري في كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث 1102).

… وقوله: «هَجَمَتْ عَيْنُكَ»: أي غارت ودخلت في موضعها. «وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ»: تعبت وكلَّت.