دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي
الجزء ١ · صفحة ١٧الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ وصفاته
أَوَّلاً - وجود الله تعالى (1):
أ- وجود الله فطري في الإنسان:
وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، وليس أمرًا معقَّدا يحتاج إلى التفكير العميق. قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10)؛ لذلك كانت مَهَمَّة الرسل الأساسيَّة إثبات الوحدانية، فالأمم غالبا ما تؤمن بوجود إله، ولكنها قد لا تهتدي إلى العبادة الصحيحة، قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25).
ومع بداهة وجود الله فقد جاءت المدنية الغربية تجادل في وجوده عزَّ وجلَّ.
ب- دليل الخلق:
لم يوجد أحد من البشر ادَّعى خلق الإنسان أو الحيوان أو النبات أو خلق السماوات والأرض، وكلُّ من ادَّعى الألوهيَّة لم يستطع ادِّعاء ذلك. ومن المقطوع به أنَّ شيئًا لا يحدث من تلقاء نفسه، وقد قرَّر القرآن الكريم هذا الدليل فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ اَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ (الطور: 35 ـ 36) (1).
من البدَهي أَنَّ كُلَّ صنعة تَدُلُّ عَلَى وجود صانع، وكلَّ بِنَاءٍ يَدُلُّ عَلَى وجود بَانٍ، وكلَّ كتابة تَدُلُّ عَلَى وجود كاتب … الخ. قيل لأعرابيٍّ: ما الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إِنَّ البعرة تَدُلُّ عَلَى البعير، وأثر القدم يَدُلُّ عَلَى المثير، فهيكل علويٌّ بِهَذِهِ اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة أَمَا يَدُلاَّن عَلَى الصانع الخبير؟! " (2).
ويسمَّى هذا الدليل أيضًا بدليل الإبداع، أو دليل بطلان الرجحان من غير مرجِّح، أي أنَّ ترجيح كفَّة الوجود على كفَّة العدم بدون وجود أيِّ فاعل لهذا الترجيح، يعتبر أمرا باطلا لا يقبله العقل.
ج- دليل العناية:
"لو دخل المرء دارا فوجد فيها غرفة مهيَّأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة … الخ لجزم بأنَّ هذا الترتيب لم يتمَّ وحده، وأنَّ هذا الإعداد النافع لا بدَّ قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل.
(1) … من المراجع الهامة في الموضوع: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين لمصطفى صبري. وكتاب الإسلام يتحدَّى، وكتاب الدين في مواجهة العلم لوحيد الدين خان. والأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله لمحَمَّد متولي الشعراوي. وكبرى اليقينيات الكونية لمحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي. وكتاب: الله بين الفطرة والدليل لمحَمَّد حسن آل ياسين.
(1) … وقال أيضًا: ﴿وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20).
(2) … أبو زكرياء الجناوني: الوضع مختصر في الأصول والفقه، ص 4 - 5. وحول دَلِيل الحدوث ينظر كَذَلِكَ: بوقلي: الإمام ابن يوسف السنوسي، ص 176 - 183.