دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي مصطفى بن محمد شريفي

دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي

الجزء ١ · صفحة ٣٠

إِنَّ العقل البشري قاصر عن إدراك الأمور الغَيْبِيَّة وغير المَادِّيَّة، وإذا تجاوز تفكير الإِنسَان عالم المَادَّة تخبَّط، وتاه، وبقي حائرا يتساءل: من أين جاء؟ وما مصيره؟ ما المقياس الذي يُعرف به الحسن والقبح؟ والعدل والظلم؟ وكيف يعبد خالقه؟ … لذا اقتضت رحمة الله وحكمته أن يوحي للبشر بالإجابة عن مثل تلك الأسئلة، والتي لا يستطيع العقل وحده الوصول إليها، فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.

جـ- إمكانيته وَدَلِيله (1):

1 - الإمكانية: إذا كان المؤمن متيقنا بِأَنَّ الله هو الخالق، فإنَّ عقله لا يحيل وجود اتِّصَال بين هَذَا الخالق ومخلوقه عن طريق الوحي.

2 - الدَّلِيل: أَمَّا الدَّلِيل عَلَى صدق نزول القرآن الكريم من عند الله، فهو أَنَّهُ تحدَّى كُلَّ البشر وكلَّ الجنِّ أَن يأتوا بمثله، وَأَنَّهُ احتوى عَلَى أوجه مختلفة من الإعجاز، كالإعجاز البيانيِّ، والعلميِّ، والغيبيِّ، والتشريعي … بالإضافة إِلىَ الشواهد التَّارِيخِيَّة التي لابست نزوله، فهي كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى ثبوته وصدقه.

د- طرائقه:

ذُكرت بعض طرائق الوحي في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ … ﴾ (الشورى: 51). وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ" (1).

الدَّلِيل … التفسير (2)

﴿إِلاَّ وَحْيًا﴾ … 1 - النفث في الروع، أي الإلهام (1).

2 - الرؤيا في المنام، كإبراهيم - عليه السلام -.

﴿اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ﴾ … 3 - تكليم الله للرسول بلا واسطة كموسى - عليه السلام -.

﴿اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً﴾ … 4 - الملَك في صورته الحَقِيقِيَّة.

"يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً" … 5 - الملَك في صورة رجل، كسؤال جبريل عن الإيمان (2).

(1) … ما فتئ أعداء الإسلام بيثون الشكوك في الوحي، لأَنَّ التشكيك فيه يعني التشكيك في كُلِّ ما يتلقونه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عقائد وأحكام، لذا وجب ردُّ شبههم. منها أَنَّ الوحي لم يحدث سوى بالتدرج في التفكير العميق والتأمل الدقيق، حَتَّى انكشف له ما لم ينكشف لغيره، ويجاب عنه بِأَنَّ الحالة التي أصيب بها الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من الذعر والخوف والاصفرار في اللون والارتعاش … في بدء الوحي ينفي هَذِهِ الفكرة، إذ كيف يصاب بِذَلِكَ إذا كان ينتظر مثل تلك الحالة، والتاريخ والقرآن يثبتان أَنَّهُ ما كان يرجو الوحي ولم ينتظره، وَإِنَّمَا جاءه فجأة. كما يثبتان انقطاع الوحي عنه - صلى الله عليه وسلم - لِمُدَّة طويلة، حَتَّى ضاق الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ، ولو كان من عنده لَمَا حدث ذَلِكَ.

(1) … وَبَقِيَّة الحديث: "قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا". الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: [2] بَابٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، رقم 02، ص 05. البخاري: كِتَاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم 02.

(2) … انظر: تفسير القرطبي، ج 16، ص 53، تفسير قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا … ﴾

(1) … كما في حديث: "إِنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطلب". قال العجلوني: "رواه في مسند الفردوس عن جابر … ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة، والبزَّار عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري". العجلوني: كشف الخفاء، 1/ 268. (المكتبة الألفية، قرص مدمج)

(2) … الربيع بن حبيب، رقم 769، ص 201.