دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي
الجزء ١ · صفحة ٣٦ثانيًا: المعجزات
لقد أيَّد الله الرسل بالمعجزات التي تثبت صدقهم، قال تعالى: ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (الحديد: 25). وقد سمَّاها القرآن: بيِّنات، وآيات، وبرهانًا …
أ- تعريف المعجزة:
هي أمر خارق للعادة أوجده الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يد مدَّعي النبوَّة، موافَقَة لدعواه، عَلَى سبيل التحدِّي، مع عدم المعارضة.
ب- طبيعة المعجزة:
غالبا (1) ما تكون معجزة كلِّ رسول من جنس ما بَرع فيه قومه، فعيسى عليه السلام جاء في عصر اهتمام الناس بالطبِّ، وموسى عليه السلام جاء في عصر انتشار السحر، وسيِّدنا محمَّدٌ * جاء حين اهتمَّت العرب بالتباري في الفصاحة والبيان.
وقد كانت المعجزات السابقة مادِّيَّة، وأمَّا آخرها (وهي القرآن) فكانت معنويَّة، حين وصلت البشريَّة إلى مستوًى عال من النضج الفكريِّ، ليبقى التحدِّي ساريا إلى أن تقوم الساعة، مهما بلغت الإنسانيَّة من الرقيِّ العلميِّ والتكنولوجيِّ.
ج- المعجزة في ميزان العلم:
إنَّ الذي خلق الكون ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ ووضع له أنظمة وقوانين ثابتة لا تتغيَّر، قادرٌ على أن يخرق تلك القوانين.
وفي الحقيقة إنَّ كلَّ ما يحدث في الآفاق وفي الأنفس في كلِّ لحظة هو معجزات وآيات، فحركة المجرَّات والنجوم والكواكب … وما حوته الأرض من عجائب في البرِّ والبحر، وفي الحيوان والنبات، وما يحدث بداخل الجسم البشريِّ من أنظمة دقيقة جدًّا … هي كلُّها آيات، إلاَّ أنَّنا بالإلف والعادة توهَّمنا أنها أمور طبيعيَّة، وأنَّ خرقها أمرٌ معجز!.
د- معجزة الرسول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
سأل العرب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بمعجزة حسِّيَّة، فأجابهم الله بِأَنَّ القرآن أعظم معجزة: {وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى
=
والحديث رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبيِّنا على جميع الخلائق، رقم 2278، ج 4/ ص 1782. ورواه الترمذيُّ بلفظ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلاَّ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ". "قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ". كتاب المناقب عن رسول الله *، رقم 3615، ج 5/ ص 587.
(1) … قلنا غالبا؛ لأنَّ المعجزة قد تأتي ابتداء، أي في غير ما برع فيه القوم، مثل: كون النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام، والإسراء والمعراج لسيدنا محمَّد *.