دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي
الجزء ١ · صفحة ٤٢أ- جهة الخلق والإيجاد، وهي التي يخرج بها فعل العبد من العدم إِلىَ الوجود، وتنسب إِلىَ الله، فهو الخالق لفعل العبد حال اختياره له، ويخلق له القدرة عَلَى فعله.
ب- وجهة اكتساب، وهي نسبة ذَلِكَ الفعل إِلىَ العبد، عند اختياره لفعله؛ فَاللهُ تَعَالىَ موجِدٌ والعبد مكتسِب؛ وإذا ثبت للعبد اختيار واكتساب صَحَّ أن يتلقى بسببهما الثواب أو العقاب.
من أدلتهم:
1 - قَوله تَعَالىَ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: 286).
2 - وقَوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر: 17).
3 - وقوله: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمُ أَنْ يَّتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:37 - 38) (1).
سادسا - ما يجب في الإيمان بالقضاء والقدر:
1 - أَنَّ كُلَّ ما يحدث في الكون فبقضاء الله وقدره، وَأَنَّ الله عالم به قبل حدوثه، كالخصب والجدب، وهبوب الرياح والأعاصير، وحدوث الزلازل والمصائب … قَالَ تَعَالىَ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22)، وقال: ﴿ … ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).
2 - إِنَّ الله تَعَالىَ لا يحاسب العبد عَلَى القدَر الحتميِّ الذي لا يستطيع العبدُ التَّصَرُّف فيه، مثل: شكل خِلقته، ومن أيِّ الأبوين هو، ومتى يولد وأين، وحركاته اللاإرادية كالارتعاش والموت … وَإِنَّمَا يحاسبه عَلَى أفعاله الاختياريَّة، كالطعام والشراب والتعلُّم، والطاعة والمعصية …
سابعا - بعض الإشكالات وجوابها:
1 - قد يُتساءل: إذا كان الله يريد وقوع المعصية فلماذا يعاقب عَلَيْهَا؟ الجواب: يجب التفريق بين أمر الله وإرادته، فَاللهُ تَعَالىَ لم يأمر بالمعصية ولا يرضى وقوعها، وَلَكِن إذا وقعت فلا نقول: إِنَّهُ لم يُرِد وقوعها، لأَنَّهُ تَعَالىَ لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يريد.
2 - إذا كانت أفعالنا لا تخرج عن دائرة علم علم الله تَعَالىَ الشامل وإرادته المطلقة، فهل يعني هَذَا أَنَّهُ أجبرنا عليها؟ الجواب: كلا، لأَنَّ علمه تَعَالىَ لا يَتَّصِلُ بأعمالنا اتِّصَال إكراه وإجبار، وَلَكِنَّهُ اتِّصَال انكشاف ووضوح.
ثامنا - خلاصة القول:
إِنَّنَا مهما حاولنا التوغل في فهم القدر فلن تزداد القَضِيَّة إِلاَّ غموضا، لذا يجب التسليم بأمور أَسَاسِيَّة:
1 - أَنَّ القدر سرٌّ من أسرار الله، قال تَعَالىَ في حديث قدسي: "القدر سري، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع عَلَى سرِّي" (1)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:
(1) … ومنها أَيضًا: قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الاِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: 120). وقَوله تَعَالىَ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ (الزمر: 48).
(1) … قال الأستاذ عمر إسماعيل آل حكيم في دراسته حول معالم الدين (مرقون): "هكذا جاء به الثميني ولم أجده بهذا اللفظ، وجدته: "القدر سرّ الله، من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا بريء منه"خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة .. انظر: (كنز العمال)، الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام، الفصل السادس: في الإيمان والقدر، ج: 1/ 485".