دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي مصطفى بن محمد شريفي

دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي

الجزء ١ · صفحة ٤٩

وقد اتَّفَقَ الإِبَاضِيَّةَ والمعتزلة والسلفية (1) عَلَى اشتراط العمل في ثبوت الإيمان، واستدلُّوا بما يأتي:

1. إِنَّ القرآن يذكر إتيان الفرائض واجتناب المنهيات من جملة صفات المؤمنين، كَقَولِهِ تَعَالىَ بأسلوب الحصر: ﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا﴾ (الأنفال: 2 - 4)، وَقَوله: ﴿قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ الذِينَ هُمْ فيِ صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ … ﴾ الآيات (المؤمنون: 1 - 11). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإيمَانِ" (2).

2. توجد عِدَّة أحاديث تنفي الإيمان عَمَّن يرتكب إحدى الكبائر، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وَهُوَ مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وَهُوَ مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وَهُوَ مؤمن" (1)، وقوله: "لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله" (2).

3. يقرن الله تَعَالىَ دوما الإيمان بالعمل الصالح، في عِدَّة آيات، منها قَوله: ﴿إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277).

4. إِنَّ القول وحده بدون عمل لا يكفي، لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30).

وقد خالف الإِبَاضِيَّةَ بعضُ الفرق الإِسلاَمِيَّة التي اعتبرت الإيمان مُجَرَّد معرفة بالله وإقرار باللسان، وَأَمَّا العمل ـ في نظرها ـ فهو شرط لكمال الإيمان (1)، وليس شطرا منه، بحيث لو ارتكب الموحِّد الكبائر ـ غير الشرك ـ لَمَا سُلبت منه صفة الإيمان. ومن الأَدِلَّة التي استدلوا بها حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله *: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " (2).

ويجيب الإِبَاضِيَّة عن الاستدلال بهَذَا الحديث بما يأتي:

1. هذا الحديث آحادي لا يستدلُّ به في قضايا الاعتقاد.

2. إِنَّ الأَدِلَّة التي تعتبر العمل من أركان الإيمان تنقض الاستدلال بحديث أبي ذر.

3. هذا الحديث عامٌّ، مخصَّص بأدلَّة اشتراط التوبة.

4. من المحتمل أَنَّ حديث أبي ذر كان في ابتداء الإِسلاَم حين كانت الدعوة إِلىَ مُجَرَّد الإقرار بالتوحيد قبل أن تفرض الفرائض.

(1) … وَهُوَ قول الأشعري أَيضًا، قال في الإبانة: "وندين أَنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"، الإبانة، ط 1981، ص 24. (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص 491).

(2) … رواه النسائي في كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر شعب الإيمان، رقم 5004. وروى جزءا منه مسلم في كِتَاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، حديث 35.

(1) … رواه الربيع بن حبيب بزيادة: "ومن تاب تاب الله عليه"، ج 4/ حديث 983. ورواية ابن ماجه بزيادة: "ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إِلَيْهِ أبصارهم حين ينتهبها وَهُوَ مؤمن". ابن ماجه: السنن، كِتَاب الفتن، حديث 3936، ج 2/ ص 1298.

(2) … رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الطهارة، باب [15] في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم 91.

(1) … قال البيجوري (شرح الجوهرة، ص 45): "وهذا شرط كمال عَلَى المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن لَكِنَّهُ فوت عَلَى نفسه الكمال". . (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص 493 - 494).

(2) … رواه البخاري في كِتَاب اللباس، باب الثياب البيض، رقم 5489، ج 5/ص 2193.