روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٦١(2)
القديم الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته، لا يجوز القول بخلقه، ومن قال بذلك كفر وتجب البراءة منه، وهذا مما لا يسع الجهل به. وإذا ثبت وجاز في هذا العلم والكلام أن يسمى قرآنا فالقول بخلقه يكون على هذا، فالقائل به هالك (). ولا يجوز الإختلاف أبدا في ذلك لكن نفس القول بأن القرآن هو علم الله وكلامه القديم الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته هو الذي تنازعت فيه الأمة واضطربت فيه الأعلام وتصاكت (عليه الركب، وعظم فيه الخطر، إذ لابد من وجود الخطأ في أحد القولين قطعا. فان اعتبرته من حيث اللغة والمعنى، فاللغة تأباه، إذ لا يطلق اسم القرآن لغة على علمه تعالى الذاتي، فلا يقال «قرآن «الله» بمعنى علمه، ولا يقول «الله اقرأ» مكان قولك «الله أعلم» ولا قارئ الغيب والشهادة ولا قراء الغيوب في موضع عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب. فصح أن القرآن لغةً هو غير العلم الذاتي ولاشك، وإذا لم يجز أن يطلق على العلم الذاتي فكذلك الكلام الذاتي لأنهما بمعنى. وما لم يثبت في أحدهما لم يجز على الآخر. وأما اعتباره معنى، فالقرآن الذي أنزله الله على رسوله بواسطة الناموس الأعظم روح القدس جبرائيل عليه السلام هو هذا القرآن المتلو عندنا بالألسنة والمسموع بالأذان أصواتاً مقطعة بحروف وكلمات مرتلة، فلا الشك في أنه هو القرآن الذي يجب الإيمان به على من بلغ إليه، وتقوم به الحجة له وعليه. ومن شك فيه أشرك، فكيف بمن رده أو أنكره.
يسع
وقد اتفقنا نحن والأشعرية على أنه مخلوق وصرح بذلك الشيخ أبوسعيد. ومحمد بن محبوب - رحمهما الله - واتفق عليه أصحابنا المغاربة وفاقا للمعتزلة. ولا منكر لذلك فيما قيل، إلا بعض الحنابلة جهلا منهم بالحق وعنادا ومكابرة بغير دليل. وإذا ثبت أن هذا هو نفس القرآن الذي لا يسع الشك فيه ولا الجهل به، والقول بأن القرآن صفة ذاتية قديمة كما صرحت به الأشاعرة، يقتضي وجود قرآنين، يجب الإيمان بهما: أحدهما الموجود عندنا، وهو الذي بعض به الرسول إلينا، وقامت به الحجة علينا، والثاني قرآن هو عند الله تعالى صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية، وهو عين هذا القرآن وحقيقته، إلا أن عقول البشر تقصر عنه فلا تبلغ إليه وهما مما
(1) الهالك: يقصد به مع الجمهور الأباضي الميت المصر على الكبيرة من غير توبة ر: بهجة الأنوار، ص 124. (2) أي تحاكت كناية عن شدة السعي.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 53 -