روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٦٣وحجة حق من عقل أو نقل تعضده ـ لا سبيل إليه
فإن قلت: فإذا لم يكن القرآن صفة ذاتية من صفات الله تعالى، فكيف الوجه فيه وهو كلام الله ووحيه بلا خلاف يصح فيه. وإذا لم يكن على هذا الوجه، فكيف تصح نسبته إلى الله تعالى وإنما هو من كلامنا في هذا الإعتبار، إذا كان المرجع به إلى نفس الأصوات والحروف والكلمات فنسبته إلينا أشبه.
الجواب: الله أعلم وأنا كثير ما أتحافا (1) عن هذه المسألة وأتنكب عن الخوض فيها، لأن عقول أمثالنا عن إدراك مثل هذه الحقائق قاصرة، لكن ليس بدعاً لو قيل فيها - على سبيل المذاكرة - إنه إذا لم يثبت ما قاله الجماعة في القرآن إنه صفة ذاتية، فقد رجع القول بالضرورة أنه من صفات أفعاله سبحانه وتعالى وهو الظاهر فيه. وأما القطع فيه بأنه كان في نزوله عنه تعالى على صفة مخصوصة معلومة لنا، فلا سبيل إليه لجواز غيرها، ومثاله: لو قيل أن الله تعالى خلقه مكتوبا كذلك في اللوح المحفوظ وأمر جبرائيل عليه السلام أن ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعد ووجب أن يكون في التسمية والمعنى كلام الله، كما أن التوراة هي كلام الله تعالى، وقد أنزلت على موسى ـ عليه السلام ـ كذلك ألواحاً مكتوبة وفي نسختها من كل شيء هدى، وتفصيلاً لكل شيء، ويؤيد هذا قوله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (3) وقال: وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حکيم (3). ولو قيل أن الله تعالى أحدثه كذلك كلاما أسمعه جبرائيل ـ عليه السلام - كذلك كلاماً أسمعه إياه وقولا أحدثه إليه، وحياً منه بلا واسطة، فهو محتمل. ولو قيل أن الله تعالى ألهمه جبرائيل عليه السلام بالوحي في قلبه بما يعرفه انه عن ربه فينزل به أمره لكان محتملاً أيضاً. ويؤيده أنه تعالى نسبه إلى جبرائيل في بعض المواضع
فقال: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين (4)
ويجوز في حدوثه عن الله تعالى إلى جبرائيل، أن يكون على غير هذه الصفات كلها لقصورنا عن الإحاطة بذلك، لكن وعلى كل تقدير فلا نرى مخرجاً عن القول بأنه من الصفات الفعلية، لأن العدول عنها إلى إثبات القرآن قديماً صفة ذاتية أزليّة، باطل،
(1) في الكتاب الأصل اتجافى عن هذه المسألة ر: تمهيد قواعد الإيمان الخليلي ج 2، ص 5، ط 1. (2) البروج: 21 (3) الزخرف: 4
(4) التكوير: 20
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 55