روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٦٤لانه (1) [قد] يقتضي أن علم الله الذاتي قد يكون مرة قرآناً وتارة توراة وطورا انجيلا وأخرى زبوراً وأونة صحف إبراهيم ووقتاً صحف موسى، وقد كان علم الله الذي هو صفة من صفات ذاته ولا توراة معه ولا إنجيل ولا زبور ولا صحف ولا قرآن وهو الآن على ما عليه كان، لأن الصفات الذاتية لا يجوز عليها التكثر ولا التبدل ولا التغيّر أصلاً، وإنما تختلف آثارها ومدلولاتها وتكثر أو تقل بحسب التجدّد والحدوث، معلوماتها والآثار كُلها مخلوقه، قال الله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يُحيي الأرض بعد موتها). فالكتب المنزلة، إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى لا نفس العلم الذي هو صفة لذاته القديمة وإلا لكان التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن وجميع الوحي كله قديماً موجوداً في الأزل مع الله تعالى بهذه الألفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها، فيكون كثير من المخلوقات قديماً موجوداً في الأزل مع الله القديم (3) الأزلي وهذا باطل إذ لا قديم سواه، وكل شيء غيره حادث، ولا يجوز أن يكون القرآن مثلاً قديماً معه بلا وجدان صورته مكتوباً أو متلواً بألفاظه وكلماته، لأنه من القول بوجدان حقيقته لم توجد وهو محال، فعلم ضرورة إنما القديم الذاتي علمه بالقرآن والتوراة والإنجيل، كما أن علمه بغيرهن من الكائنات (9) قديم أيضاً لأن العلم صفة ذاتية للقديم الأزلي، الواجب الوجود - سبحانه وتعالى، وهذا ما لا يجوز الإختلاف فيه أبدا. وأما نسبه إلى الله تعالى مع كونه متلوا لنا من نطق ألسنتنا بأصواتٍ وألحان ونغمات لأحرُفٍ وكلمات من ألفاظنا، فالأصل فيه أن كل قول ينسب إلى من قاله، لا إلى من قراه ولحن به وبيانه لو أن أحداً قال في معلقة امرئ القيس أو قصائد أبي تمام أو البحتري أو غيرهم أنه من كلامه ونسبها لنفسه إذ قرأها، لكان ذلك منه خطئاً فاحشاً، أو كما تجد الآثار المرسومة عن أهل العلم
(1) + ورد في الكتاب الأصل ر: تمهيد قواعد الإيمان، ج 1، ص 9.
(2) الروم: 50
(4)
(3) القديم الأزلي: ويطلق عليه القديم الزماني هو الذي لا أول لزمانه أو هو الذي ليس لزمانه مبدأ وهو يقابل الأبدي. ر: المعجم الفلسفي مادة (قديم).
(4) القديم الذاتي: هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة أو الذي ليس له مبدأ يتعلق به. ر: المعجم الفلسفي، مادة (قديم). (5) الكائنات: جمع كائن وهو الحادث أو الشيء الموجود.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 56