الاجتهاد وأثره في التجديد لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥4ـ أن بعض الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح جمة وهي تتبدل بتقلب الأيام فلربما كانت المصلحة في يوم مفسدة في آخر فلذا لا يستبعد اختلاف الأحكام لتباينها، والنبي(ص) بين ذلك بياناً واضحاً عندما نهى عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام فقيل له ـ بعد ذلك ـ: كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله(ص): وما ذلك؟ فقالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة ايام، فقال: إنما نهيتكم من اجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا. (10)
فإذا كانت المصلحة تباينت بين عام والذي يليه حتى رقى الحكم في العام الأول إلى الوجوب دون الآخر لتبدل الظروف فكيف مع تطاول الزمن؟!، وأصاب ابن القيم كبد الحقيقة عندما قال: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن ادخل فيها من التأويل(11)، وعقد فصلاً لبيان تباين الأحكام بتباين الزمان.
وهي أيضاً تختلف بتباين الأعراف ـ ان بني الحكم عليها ـ وتبدل الذرائع التي أمر الشارع بسدها، وتنوع ألفاظ الاقرار والأيمان والنذور وغير ذلك، وهي أمور تتطلب المزج بين الواقع والأدلة فيستضاء بآخرهما لانارة أولهما.
لذا اشترط بعض العلماء للفتوى معرفة أحوال الناس، وذلك واضح فيما يتبدل بينما في الثوابت لا يشترط ذلك.
واغلب المتغيرات انما تتعلق بالوسائل ولا تتعدى إلى الغايات وهي امور لظروف الحياة الاثر البالغ في توجيهها.