الاجتهاد وأثره في التجديد لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٧فهو مركب من شيئين ـ الثابت والمتغير ـ فإذا غض الإنسان الطرف عن الأول مال إلى العلمانية والتمييع، وان تمسك به دون النظر إلى الطرف الآخر مال إلى الجمود. فالاجتهاد لا يمكن ان يلغي الثابت إذ مجاله المتغير، ولا يطول قواطع النصوص لان حدوده قاصرة على الظنيات؛ فلذا قال العلامة الكبير أبو يعقوب الوارجلاني: (إنه لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة أما أصولها فلا) (16)، والمراد بالأصول ما تناوله الدليل المتصف بالقطعية في ثبوته ودلالته، أما إذا كان ظنياً في احدهما فالمجال مفتوح شريطة عدم الغاء الدليل المعتبر، وفيه يقول الامام القطب: (ومن بلغه حديث فلا يجوز له العمل برأي إلا في تفسير ذلك الحديث أو تأويله) (17). وليس كما يقول البعض بأن ما تناوله الدليل ولو كان ظنياً يمنع الاجتهاد فيه؛ لأنه قد يكون بالتأويل عند وجود القرائن الصارفة وهذا يعلم بالتأمل في الأدلة لكثرة التعارض الظاهر بينها، فلابد من الجمع أو الترجيح وهما من ضروب الاجتهاد، شريطة التزام الترتيب المنطقي في الأخذ بالأدلة، فان وجد مسلكاً في النصوص سلكه، وان اعوزته انحدر إلى الأقيسة، فان عثر على مغزاه فذلك والا انعطف على انواع الاستدلال.
ويسوغ ذلك لمن راض الأصول وعلم بمنهجية التعامل مع الدليل تطبيقاً لا نظرياً فقط، مع جمعه لخلال الاجتهاد وتصوره لواقعه، وفي هذا الشرط وسابقه يقول الامام أبو مسلم رحمه الله حاثاً على الاجتهاد: (لأن الأخذ بالرأي في موضعه من أهله نوع فرض)(18)، فأشار إلى الأول بقوله: "في موضعه" ونوه بالثاني في قوله "من أهله".
وحقيقته لا تكمن في التخلي عن تحقيقات السابقين ونبذ جهودهم في العراء وان وقع في بعض حقب التاريخ(19) وهو ما يردده بعض من لا يتصور لا حقيقة الاجتهاد ولا عطاء الكتب السابقة الفكري والعلمي ويكاد يتعذر عليه ادراك وجوه الاستنباط الا بوجود نماذج يسير على منوالها ويترسم خطاها.