الاجتهاد وأثره في التجديد لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٨ومع نقاء صورة الاجتهاد المنشود إلا أن اعداء الاسلام حاولوا أن يجعلوا منه سلماً لتحقيق غاياتهم، حتى تنبثق الأهواء وينقطع الرباط بين المسلم والنص؛ لأنه يؤدي إلى التلاعب به باسم الاجتهاد، وقد تم لهم بعض ما أرادوا، فتأثر بهم قوم من المسلمين فاتخذوه جنة يتقون بها عذل العاذلين، وحققوا به ما يصبون إليه فالله المستعان. وهؤلاء انقسموا طرائق قدداً أهمهم:
1ـ المصلحيون: وهم الذين جعلوا المصلحة مطية امتطوها لرد النصوص القطعية، وعلى رأس هؤلاء المشهور بنجم الدين الطوفي، وقد ناقشه بعض أهل العلم كالدكتور البوطي والأستاذ الريسوني. (20) ومن العجيب أن العلامة السيد رشيد رضا نقل بعض كلامه وأتبعه بالثناء وكأنه مؤيد له. (21)
وهؤلاء تصوروا تعارضاً بين المصلحة والنص مع أن النص هو المصلحة الدينية والدنيوية، والمصلحة كامنة فيه، وما تصوره الناس من التنافي عائد إلى سوء الفهم، وان منع الشارع بعض المصالح في بعض الصور فلأجل التباسها بمفاسد تفوقها، مع أنه فتح لذات المنفعة رحاباً واسعة في غير تلك الصورة، ويتصور ان يكون اللفظ عاماً والمصلحة خاصة والعكس في الدليل الظني، وهنا قد تخصص عمومه وتقيد اطلاقه على الصحيح، وذلك كما مر آنفاً في حديث الدافة.
2ـ العقلانيون: وهؤلاء وقعوا فيما وقع فيه المصلحيون من تصور الثنائية المتعارضة بين العقل والنقل مع أن القطعي النقلي لا يخالف مقتضيات العقول، وكذلك قطعي العقول لا يباين النصوص القطعية ابداً، وأما أن تحاكم النصوص القطعية بعقول أقوام قد عصفت بها أعاصير الأهواء؛ فذلك يناقض العقول مع مناقضته للنقول.
3ـ المتساهلون: وهم قوم خيل إليهم بلوغهم لأسمى المنازل وارقاها فخاضوا في أعمق المسائل، وربما خالفوا القواطع من الأدلة وأولوا ما شاؤوا منها واستحلوا الفروج وسفكوا الدماء بغير مبرر شرعي، مع أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع؛ وهؤلاء لم يستفرغوه، بل لم يمعنوا النظر اصلاً.