سمر أسرة مسلمة لعلي معمر موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١١قال نجيب: إنَّما أشكره على تكلُّفه التعبَ ومشقَّة السير إليَّ.
قال الأب: إنَّه لم يتكلَّف التعب من أجلك، ولم يكبِّد نفسه عناء السير لإرضائك، وإنَّما كان ذلك قياما بواجبه، وإرضاءً لمن أرسله؛ لأنَّه مكلَّف بذلك.
قال نجيب: إذن فنحن نعترف بفضل المخترعين والمكتشفين والعلماء، وكلِّ من أسدى جميلا إلى البشريَّة على أنَّهم قاموا بدور الخادم.
قال الأب: ما دمتَ قد اخترت هذا التعبير فهل ترى أشرف أو أكرم من أن تكون خادما لله تُوصِلُ نعمته إلى خلقه؟
قال نجيب: ليس فوق هذه المرتبةِ مرتبةٌ؛ فإنَّ أفضل الخلق من تَشَرَّفَ بنسبة عبوديَّته إلى الله، واختاره لحمل رسالته ونِعَمِهِ إلى خلقه. ثمَّ التفت إلى أمِّه وقال: هل لك يا أمَّاه أن تَختِمِي لنا هذا النقاش ببعض ما تحفظين؟
قالت الأمُّ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت(1) رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ». قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ»(2).
وسئل رسول اله - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكتِهِ وكتبِهِ ولقائِهِ واليومِ الآخرِ، وأن تؤمن بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ أنَّه من الله تعالى»(3).
ورَوَى الحافظُ الحجَّة الربيع بن حبيب(4) عن أبي عبيدة مسلم(5) عن جابر بن زيد(6) قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ».(7)
(1) / عُبادَة بن الصامت: صحابيٌّ جليل من الأنصار، نزلت فيه آية: ﴿وَمَنْ يَّتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (سورة المائدة: 56). اشتغل في عهد خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه معلِّما ومفقِّها للناس في دينهم. ولم يقبل أيَّ منصب من مناصب الحكم. وسافر بعهدها إلى الشام. وقد رأى ـ وهو في فلسطين ـ اعوجاج سيرة معاوية فناصبه العداء، وقال: «بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نخاف في الله لومة لائم». ومن عظمته رضي الله عنه أنه شارك في جميع غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي فتوح الشام، وشارك في جمع القرآن.
توفِّي رضي الله عنه بالرملة أو بيت المقدس سنة 34هـ، وعمره 72 عامًا.
(2) / رواه الربيع بن حبيب، بَابٌ فِي الْقَدَرِ وَالْحَذَرِ وَالتَّطَيُّرِ، رقم 72، 1/ 47. الترمذي: السنن، كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، رقم 2155، 4/ 457.
(3) / روي بلفظ قريب منه عند مسلم والترمذيِّ والنسائي وغيرهم. مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإبمان والإسلام والإحسان، رقم 8، 1/ 37. الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام، رقم 2610، 5/ 6. النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه، باب نعت الإسلام، رقم 4990، 8/ 98.
(4) / الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري (75 - 170هـ/ 694 - 786م) ولد بقرة بودام في عُمان. رحل إلى البصرة، وأخذ العلم عن الإمام جابر، وتتلمذ خاصة على يد أبي عبيدة مسلم ومجموعة من مشايخ الإباضيَّة بالبصرة، وقد تولَّى إمامة الإباضيَّة بعد وفاة أبي عبيدة، وهو صاحب الجامع الصحيح، عمدة الإباضيَّة في الحديث.
(5) / أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء (145هـ/ 767م): أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر السماك، وصحار العبدي. ترأَّس الإباضيَّة بعد وفاة الإمام جابر. وبإشارته أسس تلامذته ـ حَمَلَة العلم ـ في المغرب والمشرق دولا مستقلة. ويحسن بنا أن نسميه الأستاذ الناشر، لإعداده حَمَلة العلم، ولنشره المذهب الإباضيَّ مشرقا ومغربا. ينظر: محمَّد بن موسى باباعمي: المذهب الإباضي نشأته وآراؤه السياسية والعقديَّة. وجمعيَّة التراث: معجم أعلام الإباضيَّة.
(6) / أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العُماني (18 - 93هـ/ 639 - 711م) أصله من فرق، وهي قرية صغيرة قريبة من نزوى بعُمان. رحل في طلب العلم، وصاحب حبر الأمَّة ابن عبَّاس رضي الله عنه، وأخذ عنه وعن سبعين بدريًّا. يعتبر بحقٍّ أصل المذهب الإباضي وأُسَّه. وهو أوَّل من جمع الحديث في ديوان مفقود، ذكرت المصادر أنَّه حمل بعير.
(7) / مسند الربيع، بَاب [12] فِي الْقَدَرِ وَالْحَذَرِ وَالتَّطَيُّرِ، حديث رقم 71، 1/ 47. مسلم: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، رقم 2655، 4/ 2045.