سمر أسرة مسلمة لعلي معمر موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٨قال نجيب: نعم، لا يشكُّ في ذلك أحد.
قال الأب: فإذا وجدت شخصا يُنكِر وجود ذلك فَبِمَ تحكم عليه؟
قال نجيب: لا أدري.
قال الأب: أحسنت في هذا الجواب، فإنَّ المؤمن يجب أن يكون وقَّافا فيما لا يدري. ألاَ ترى أنَّ مكَّة مدينة موجودة أيضا؟
قال نجيب: نعم، لا يشكُّ في ذلك أحد.
قال الأب: فلو وجدت شخصا ينكر وجود مكَّة كما وجدت شخصا ينكر وجود باريس فماذا تحكم عليه؟
توقَّف نجيب قليلا وفكَّر مليًّا(1)، ثمَّ قال: الحقيقة أنِّي لم أعرف الجواب.
قال الأب: أحسنت يا ولدي أيضا، إنَّ من ينكر وجود باريس أو أيَّ شيء من الأشياء التي يتحقَّق الناس وجودها لا يكون بذلك مرتكبا لشيء حرام، ولا يترتَّب عليه شيء. أمَّا الذي ينكر مكَّة أو أيَّ شيء ذكره القرآن الكريم وأثبت وجوده، فإنَّه يكون مرتكبا خصلةً من خصال الشرك، إذ يكون موقفه ذلك تكذيبا بما جاء به القرآن، وتكذيبُ كتاب الله شِرْكٌ. وكالمنكر لشيء مقطوع به من طريق الشرع المستحلُّ لِمَا حرَّم الله مِنْ عملٍ أو تركٍ؛ لأنَّ استحلاله تكذيبٌ لله عزَّ وجلَّ، وإنزالٌ لشرعٍ لم يأذن به الله، كما سبق أن تحدَّثنا عليه في سمر سابق. أمَّا الذي يرتكب المعصية وهو مقرٌّ بأنَّ عمله ذلك حرام فهو كافر كفر نعمة. وإن كانت المعاصي تتفاوت في فظاعتها وقبحها؛ ولذلك فقد اختلفت أحكام الله عليها في الدنيا، أمَّا في الآخرة فإنَّ الحكم على جميع من مات على معصية لم يتب منها فهو الخلود في دار العذاب.
قال نجيب: كيف تتفاوت المعاصي في فظاعتها يا أبي؟
(1) / مليًّا: طويلاً، ومنه قوله تعالى على لسان والد سيِّدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (سورة مريم: 46).