سمر أسرة مسلمة لعلي معمر موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣قال نجيب: لقد عرفت ذلك يا أبي؛ فكثيرًا ما سمعتك تقول: إنَّ الله هو الذي خلق الكون وما فيه من حركة وسكون.
قال الأب: لقد كنتَ تأخذ ذلك عنِّي وأنت طفل، أمَّا الآن وقد أصبحت رجلاً مكلَّفًا، فإنَّه يجب أن تبني عقيدتك على تفكيرك، يجب أن يكون إيمانك مبنيًّا على يقين، وأن يكون هذا اليقين مبنيًّا على اقتناع عقليٍّ، وما الأسئلة التي وجَّهتها إليك، والمظاهر الطبيعيَّة التي عرضتها عليك، إلاَّ مفاتيح للإيمان بالخالق الأعظم …
قال نجيب: وأيُّ عقل يا أبي يرى هذه الحقائق ولا يؤمن بأنَّ لها خالقًا أعظم؟ إنَّني ما رأيت سيَّارة جاثمة(1) في طريق إلاَّ علمت أنَّ صانعًا صنعها، وما رأيت طائرة سابحة في الفضاء إلاَّ وعلمت أنَّ فيها قائدًا يوجِّه سيرها، ويضبط طيرانها، فكيف بهذا العالم المشحون؟ …
قال الأب: لقد وصلت إلى النقطة الثانية من حياتك الجديدة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: لقد صرت منذ دقائق رجلاً، وها أنت الآن تصير مؤمنًا.
قالت الأمُّ التي كانت تسمع حوارهما في صمت: وبدلاً من أن تكون هذه الليلة هي عيد ميلادك رجلاً فقط صارت عيد ميلادك مؤمنًا أيضًا. فهي لك عيدان لا عيد واحد؛ ولذلك فأنا أرجوك يا ولدي أن تبدأ منذ الآن تاريخ حياتك، وأن تكتب مذكِّراتك فتبدأها بتسجيل دخولك في مرحلة الرجولة، ثمَّ ما بعد ذلك من أعمال وأقوال، وتستمرُّ على ذلك طول حياتك، فتسجِّل كلَّ ليلة ما قمت به من أعمال، سواء لك أو عليك.
قال الولد وهو يرنو إلى أمِّه في حبٍّ وإعجاب: حسنًا يا أمَّاه، إنَّني
(1) / جاثمة: متلبِّدة بالأرض لا تتحرَّك.