سمر أسرة مسلمة لعلي معمر موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٢واختيار الإسلام دينا. أفلا أكون شكورا وأحمد الله تعالى على هذه النعم المتوالية التي ترتَّبت على التكليف؟
قالت الأمُّ: صدقت يا ولدي، إنَّها بعض النعم التي أنعم الله بها عليك، ولكنَّ تَرْتِيبَكَ لها تنقصه الدقَّة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: إِنَّ التكليف هو الذي يترتَّب على بلوغ الجسم وكمال العقل، أمَّا اختيار الدين فينبني على التكليف، أو هو الخطوة الثانية بعد التكليف.
قال نجيب: إنَّك دقيقة في كلِّ شيء يا أمَّاه! ليت بنات اليوم يعرفن بعض ما تعرفين!.
قال الأب: كم تحبُّ أمَّك يا نجيب! أنَّك معجب بها كلَّ الإعجاب، وكلُّ ما تقوله يكون موضع رضاك.
قال نجيب: إنِّي أحبُّك يا أبي مثلما أحبُّ أمِّي، وكنت أعتقد أنَّ الرجال ينقطعون للدراسة، وتُتَاحُ(1) لهم فُرَصُ التعلُّم والاجتماع أكثر ممَّا تتاح للمرأة، فيحصلون على ثقافة أوسع وعلم أشمل؛ ولذلك فأنا لا أعجب من غزارة علمك وسَعَةِ اطِّلاعك يا أبي، فإن هذا ما كنتُ اعتقده، أمَّا النساء فقد كنت أحسب أنَّهنَّ لم يدخلن المدارس فلم تتح لهنَّ فرصة التعلُّم، وبذلك يكنَّ ضعيفات الرأي ضيِّقات الآفاق، جاهلات بكثير من العلوم، فلمَّا رأيت أمِّي تَجُولُ في كلِّ ميدان من ميادين الثقافة والعلم، وكانت مناقشاتها تستهويني حين أجدها تشاركك في جميع الميادين، وكم عجبتُ حين أخبرتني أنَّها تحفظ عقيدة التوحيد(2) عن ظهر قلب، هذه العقيدة التي لم أقرأها أنا بعدُ مجرَّد قراءة.
قالت الأمُّ: هذا تقصير منَّا نحن لا منك أنت، فنحن نعلم أنَّ مثل
(1) / تُتَاحُ: تُقدَّرُ وتُمكِنُ وتتهيَّأ.
(2) / لأبي حفص عمرو بن جُميع، وقد أورد في تمهيد المقدِّمة الهدف من نقلها من البربريَّة إلى العربيَّة، فقال: « … فسألني من لا أردُّ قوله، ولا أجهل فضله، أن أنقلها من لسان البربريَّة إلى لسان العربيَّة، ليبين لفظها، ويسهل على القارئ حفظها … ». المقدِّمة، ص20.