علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٧المحور الثاني
نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة وتصنيفها
أَوَّلاً - نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة
تمهيد:
أرجع الشيخ مُحَمَّد محيي الدين عبد الحميد(1) تفرُّقَ الأُمَّة بعد عهد رَسُول اللهِ J والخلفاء الراشدين إلى رجلين:
- أحدهما نصرانيٌّ يقال له «سوسن» أظهر الإِسلاَمَ، وصحبه معبد بن خالد الجهني، ونسب الشيخ إليه أَنَّهُ أَوَّل من قال بالقدر، وبجواز الخلافة في غير قريش(2).
- والثاني يهودي تظاهر بالإسلام، وهو: عبد الله بن سبأ، وَأَنَّهُ هو الذي ابتدع أقوال غلاة الشيعة، كالوصية لعلي، وبالرجعة، وَأَنَّ فيه جزءًا إِلَهِيًّا … الخ
هَذَا نموذج مِمَّن يُرجع نشأة الفرق إلى مؤامرات خَارِجِيَّة، وفي تقديرنا أَنَّ دعاوى المؤامرات الخَارِجِيَّة مبالغ فيها؛ لأَنَّ هنالك أسبابا دَاخِلِيَّة (موضوعية وذَاتِيَّة) أسهمت بشكل كبير في نشأتها، وأغلبها ذو طابع سياسي. ولا يخفى أَنَّ أسباب نشأة علم الكلام هي نفسها أسباب نشأة الفرق، وقد فصلنا الكلام فيها في دروس أصول الدين(3).
(1) ينظر: تقديمه لكتاب مقالات الإِسلاَمِيِّين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت: 330هـ)، الطبعة الثانية، دار الحداثة، د. م، 1405هـ/1985م، ص10 - 11.
(2) هَذَا لا يستقيم مع الحقائق التَّارِيخِيَّة؛ لأَنَّ أَوَّل من خاض في القدر هم الأمويُّون الذين بسطوا سلطتهم الملكية عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة بالقهر والغلبة، ونشروا في الناس فكرة الجبر، أي: أَنَّ الناس مجبورون عَلَى أفعالهم، بحيث لا يمكنهم تغيير الوضع السياسي القائم، وعليهم أن يرضوا بالقدر (أي: الظلم والطغيان الأموي)، فكان معبد بن خالد، وتلميذه غيلان بن مروان معارضين لفكرة الجبر وللقرشية المناقضتين لحرية الإرادة، ولمبادئ العدل والمساواة التي جاء بها الدين الإِسلاَمِيُّ الحنيف. ولولا معارضتهما ـ التي كانت في عمقها سِيَاسِيَّة ـ لَمَا لقيا مصيرهما، وهو القتل، فَالأَوَّلُ كان عَلَى يد عبد الملك بن مروان سنة 80هـ، إذ قتله وصلبه بدمشق. والثاني أخذه هشام بن عبد الملك بن مروان فأمر بقطع يديه ورجليه. ينظر: مصادر التاريخ الْمُتَعَدِّدَة، مثل: تاريخ الطبري، وتاريخ الإِسلاَمِ للذهبي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، والكامل لاين الأثير … ولتصحيح التصورات الخاطئة حول هاتين الشخصيتين، وظروف اغتيالهما، ينظر: مُحَمَّد قاسم الزيني: شهداء الفكر. وعبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم.
(3) ذكرنا من العوامل الدَّاخِلِيَّة: 1 - المحكم والمتشابه، وقد اختلف في تحديد معناهما، وفي موضوعهما (أي التمييز بين ما يندرج ضمن المحكم، وما يندرج ضمن المتشابه). 2 - الخلافات السِّيَاسِيَّة. ومن العوامل الخَارِجِيَّة: 1 - الفتوحات الإِسلاَمِيَّة. 2 - الترجمة. 3 - القوى المضادَّة. ينظر: شريفي مصطفى: دروس أصول الدين وعلم الكلام، للسنة الأولى شريعة، (الْمُقَدِّمَات). البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، دار الفكر، دمشق، ط2، 1430هـ/2009م، ص29 - 38.