علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٨

أسباب الاختلاف بين المسلمين:

قد يطرح سؤال بسيط بريء بهذه الصيغة؟ إذا كان الدين واحدا، والرسول واحدا، والكتاب واحدا، والقبلة واحدة … فلِمَ حدثت الاختلافات والفُرقة بين المسلمين؟

إِنَّ ذَلِكَ يرجع إلى عِدَّة أسباب، منها الدَّاخِلِيَّة ومنها الخَارِجِيَّة(1).

أَمَّا الأسباب الدَّاخِلِيَّة فمنها الموضوعيَّة، ومنها الذَّاتِيَّة، ونعني بالموضوعية ما صدر عن الاختلاف الطبيعي الذي فطر الله الناس عَلَيْهِ، وهي أسباب عِلمِيَّة في أساسها. ونعني بالذَّاتِيَّة الضغوطَ التي تمارسها النفس الأمارة بالسوء، أو الضغوط التي تمارسها شياطين الجِنِّ وَالإِنس.

• الأسباب الدَّاخِلِيَّة للاختلاف بين المسلمين:

من الأسباب العِلمِيَّة الموضوعية:

اختلاف الناس في مداركهم وأفهامهم سنَّة الله في خلقه؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تتباين طرائقهم في التعامل مع نصوص القرآن وَالسُّنَّة. وقد أوجز الشيخ نور الدين السالميُّ(2) أسباب الاختلاف من هَذَا النوع في ثمانية أسباب ـ يَتَعَلَّقُ أغلبها بدلالات الألفاظ(3) ـ وهي:

1 - اشتراك الألفاظ والمعاني. 2 - الحقيقَة والْمَجاز. 3 - الإفرادُ والتركيبُ.

4 - الخصوصُ والعمُوم. 5 - الروايةُ والنقل. 6 - الاجتهاد والقياس فيما لا نصَّ فِيه.

7 - الناسخ والمنسوخ. 8 - الإباحَة والتوسيع.

1 - اشتراك الألفاظ والمعاني(4)، والاشتراك إِمَّا أن يكون في معنى اللفظة الواحدة، كالقرء، هل هو الحيض أم الطهر؟ وكلفظة «أو» في قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ﴾ (سورة المائدة: 33)، هل هي للجمع أم للتخيير؟. وَإِمَّا أن يكون الاشتراك في الإعراب، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (سورة البقرة: 282)، إذا كان أصله «يضارِرْ» فالكاتب والشهيد فاعلان، و «مُضارَّة الكاتبِ: أَن يَكتُب ما لَم يُملَ عَلَيهِ، ومضارَّة الشهيد أن يَشهد بِخلافِ الشهادَة»(5)، وإذا كان أصله «يضارَرْ» فالكاتب والشهيد نائب الفاعل، و «مُضارَّتهمَا أن يُمنعَا مِن استقلالِهما ويكلَّفا الكتابةَ

(1) ذكر أحمد أمين جملة منها في ضحى الإِسلاَم، المكتبة الْعَصْرِيَّة، صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م، 3/ 7 - 20. ركز على الجانب التَّارِيخِيِّ ولم يركز عَلَى ما نقلناه عن السالميِّ.

(2) نقلها الشيخ نور الدين السالميُّ في معارج الآمال عن السَّيِّد البطليوسي. وذكر الشاطبي بَعْضًا منها في الاعتصام.

(3) لا نسلِّم بِأَنَّ اللغة ظنِّيَّة مطلقا، كما يزعم بعض الْمُتَكَلِّمِينَ، بدعوى آحادية واضعيها ونقَلَتها، بل نقول: فيها ما هو قطعيُّ الدلالة، ومنها ما هو ظَنِّيٌّ. وَحَتَّى حجج العقول الصريحة لا يمكن التعبير عنها بغير اللغة. ينظر: جيدل: مدخل، ص133 - 134.

(4) اشتراك الألفاظِ والمعاني، والحقيقَةُ والْمَجازُ يتداخلان مع إشكالية المحكم والمتشابه.

(5) السالمي: معارج الآمال، 1/ 4. (الشاملة).

١٩ / ٣٨