علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١بسم الله الرحمن الرحيم
المحور الأَوَّل
مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة
مسوغات دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة(1):
هنالك من يرى بأن لا مسوغ لدراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، لِعِدَّةِ مسوِّغات، منها:
1 - أَنَّ بحثها إحياء للبدع، وهي دعوى في غاية التلبيس، ذَلِكَ أَنَّ الأفكار المعروضة ليست لأهل البدع فحسب، بل فيها الردُّ، مِمَّا يسهم في صناعة وعي الطلبة، لأخذ الصالح وترك الطالح.
2 - أن لا مسوِّغ لها لانقراض الفرق الآن: لا شَكَّ أَنَّ قائل هَذَا لا يعيش واقعه الآن، ولا يعرف خلفيات المشهد بجميع مكوناته، فَإِنَّ كثيرا من المعاصرين أحفاد لفرق سابقة، وكثير من أفكار اليوم نتاج لغرس الماضين.
3 - أَنَّ دراسة الفرق سيعمِّق الهوة بين المسلمين، والجواب عن هَذَا أَنَّ هَذَا العلم كسائر أغلب العلوم، لا يَتَعلَّقُ به المدح والذم، وَإِنَّمَا ينظر إلى غايات ومقاصد الدارس، فإذا كانت غايته محمودة كانت دراسته محمودة، والعكس بالعكس. فإذا توخى الدارس مقصد توحيد الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، وجعل نصب عينيه العنصر المشترك بين المسلمين، وهو الانتساب الإيماني، كانت نتائج هَذَا العلم طَيِّبَة في الأوساط الأكاديمية وفي المجتمع، وبهذا يتمكن المسلمون من تجاوز التعصُّب المقيت، والنظرة المذهبية الضَّيِّقَة، إذ إِنَّ «المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة ولا تتحطَّم بالحجَّة. ولا تتحطَّم بالقانون، فإنَّ هذه الوسائل لا تزيدها إِلاَّ شدَّة في التعصُّب، وقوَّة ردِّ الفعل؛ وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات. وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًا، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه: (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ). وفي ظلِّ الأخوَّة والسماح تغيب التحدِّيات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحِّح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنَّة، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبًا أو اعتنقت مذهبًا. ولن نصل إلى هذه الدرجة حَتَّى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعيِّ وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم مِمَّن يقلِّدُهم الناس أنَّ أئمَّتهم أيضًا يقفون في صعيد واحد لا مزيَّة لأحدهم على الآخرين إِلاَّ بمقدار ما قدَّم من عمل خالص لله»(2).
(1) من كِتَاب مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، للدكتور عَمَّار جيدل، ص5 - 7. بتصرف واختصارات وإضافات.
(2) علي معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، تحقيق الشيخ باشعادل، ص1 - 2.