كتاب الرد على جميع المخالفين لأبي خزر تحقيق النامي
الجزء ١ · صفحة ١٣٩منها برأي. ولم يبلغنا في شيء من العلوم أنّ البراءة تجب بالرأي، ولا بلغنا عن أحد ممّن مضى. وذلك أنّ الولاَية والبراءة عندهم من الإيمان المضيّق، وإنّما يرجع أمرهم في هذا إلى الوقوف وإن لم يصرّحوا به. وهي عند أصحابنا أنّ فِعلها كبيرة، وذلك أنّ الكبائر -عندنا وعن هؤلاء الذين ذكرناهم أنّهم يتبرّأون منها بالرّأي-(1) ما جاء فيه النصّ أنّه كبيرة أو وجب فيه الحدّ، أو فسق [الله](2) أهله /16/ أو وعد الله عليه النّار، أو ما أصابت به مُثْلَةٌ في الدنيا، أو ما ناظر هذه الوجوه أو ما هو أعظم منها.
وأمّا الذي يُستخرج(3) من كتاب الله ممّا يشبه فعل هذه المرأة، قال الله تعالى(4): ﴿قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33]. فذكر أهل التفسير: أنّ ما ظهر كشف العورة، وما بطن هو الزنا، فسمّى(5) كشف العورة فاحشة. ففِعل هذه المرأة عندنا أشدّ من كشف العورة. وقال في موضع آخر: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمُ أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المومنون: 5 - 7]، والعادون اسم من أسماء الضّلال. فإن كانت هذه ممّن حفِظت فرجها(6) فإنّها غير ملومة كما قال الله، ولها جنّة(7) النّعيم كما ذكر للحافظين فروجهم، وإن كانت من العادين فهي من الضّالين.
وجاء عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فيما روى الروّاةُ عنه أنّه قال: «لعن الله النّاظر والمنظور إليه»، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «العين(8) تزني وزناؤها النظر، واليد تزني وزناؤها اللّمس»(9) ففعل هذه المرأة أعظم في النظر من هذا الذي قدّمنا ذكره في الكتاب وممّا ذكر عن النهي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) - الرّأي هو اعتقاد الأمر بعد الاِجتهاد والعجز عن معرفة موجباته الذّاتيّة أو الموضوعيّة مع قِيام المانع من اِعتقاد خلاف ذلك الأمر، والرأي أفضل من الظّنّ، ولا يكون الرّأي إلاّ فيما لا يمكن إثباته بالتّجربة أو الدّليل (المراجع) عن معجم الفلسفة: م. س.
(2) - زائد من جـ.
(3) - جـ: اِستخرج.
(4) - جـ: عزّ وجلّ.
(5) - جـ: فسمّوا.
(6) - أصل: حفِظ.
(7) - جـ: جنّات.
(8) - جـ: أنّ العين.
(9) - رواه البخاري: 2061، وأبوداود: 2152، ومسلم: 2657.