كتاب الرد على جميع المخالفين (طبعة/تحقيق النامي) يغلا بن زلتاف الوسياني أبو خزر

كتاب الرد على جميع المخالفين لأبي خزر تحقيق النامي

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

الكفوف مسبّب عن سَبَب تقدّمه بقصد وإرادة، فيكون أحدهما سبب والآخر سبّب عن سبب تقدّمه. فعلى مثل هذا فأَجِبْ في مثل هذه المسألة وتفهّم السّؤال وتثبّت في الجواب.

وقد قيل في مثل هذا قولٌ غير ما ذكرنا: إنّ في القلب غرائز يقوم عن كلّ غريزة قصد، فزعم صاحب هذا القول أنّ غريزة الحزن غير غريزة(1) الفرح، وأنّ غريزة العِلم غير غريزة الجهل، فعلى هذا المعنى يقصد قصدين في حال واحدة، يقصد إلى العلم وإلى الفعل في حالة، والجواب الأوّل أحبّ إليّ.

وسألت عن الجواب لمن زعم أنّ الله جِسم، … اِعلم إنّما دعا مَن زعم أنّ الله جِسم أنّ ما ليس بجسم إبطال، وأنّه لا يعبد إلاّ من ثبته بعقله،(2) فزعم أنّه لم يشاهد في المفعول حيًّا فاعلاً إلاّ جِسمًا فدعاه هذا إلى أنْ زعم أنّ الله جسم.

وادّعى جهم(3) نفْي التّشبيه عن الله إلى أن قال(4): إنّ الله(5) لا يُقال له «شيء»، فدعاه ذلك إلى إبْطال معبوده، كما ادّعى المشبّهة إثبات معبودهم إلى أنْ زعموا أنّه جسم. فإن كان إنّما دَعاهم إلى ذلك ما شاهدوا في المعقول فإنّهم لم يشاهدوا فيما شاهدوا حيّا جسمًا إلاّ محتاج إلى مكانه، وأنّه لا يستغني عن ما يقيمه من الغذاء وغير ذلك، وأنّه /57/ لا ينفكّ من حركة وسكون، وأنّ الحركة والسّكون حدث، وأنّ الجسم لا ينفكّ من أحدهما، وما لم يسبق الحدث فحدث مثله.

وإنّما الجسم إنّما كان جسمًا لأنّه مؤلّف الأجزاء وأنّ له ستّ جِهات، أمام وخلف ويمين وشِمال وفَوْق وتحت. فإن كان معبودهم كما زعموا فلا يخلو من هذه الوجوه التي عدّدنا لأنّا لم نجد في المشاهَد جسمًا حيًّا إلاّ بهذه المعاني، فإن أثبتوه(6) بهذه المعاني ألزموه العجز والحاجة إذْ لا يقوم إلاّ في مكان وأنّه محتاج إلى ما يقيمه، وأنّه لم يسبق الحدث الذي هو الحركة والسّكون

(1) - الغريزة: هي النّشاط الفطري النّمطي الذي يصدر عن الحيوان وتشترك فيه أفراد نوعه، وهي عند "برغستون" ضرب من المعرفة والمهارة يُدرك ويُنجز مباشرة ما لا يدركه ولا يُنجزه العقل إلاّ بالتّحليل. محمود يعقوبي: المرجع السّابق، ص 163. (المراجع).

(2) - هاتان اللفظتان «ثبته بعقله» غير مُعجمتين في جـ.

(3) - جهم بن صفوان: يمثّل الاِتّجاه الجبري القائل بخلق الله لأفعال العباد وبعدم قدرة العبد على الفعل أصلا. مات عام 128هـ. (المراجع).

(4) - جـ: زعم.

(5) - جـ: أنّه.

(6) - جـ: ثبتوه.

٧١ / ٨٨