لقاء مع الأستاذ خميس بن راشد العدوي حول الفلسفة خميس بن راشد بن سعيد العدوي

لقاء حول الفلسفة مع ش. خميس بن راشد العدوي

الجزء ١ · صفحة ٤

والإباضية لم يكونوا أصحاب جدل، بل كانوا أصحاب ممارسة وتطبيق للنصوص الشرعية، ولو استثنينا القضايا الأساسية في العقيدة والتي جاء بها القرآن الكريم؛ كعدم تشبيه الله تعالى بأي صورة كانت، ورفض الإرجاء بكافة أشكاله، نجدهم في بقية الآراء الكلامية؛ أما أنهم يذهبون مذهب المعتزلة كالقول بخلق القرآن الكريم، أو مذهب الأشاعرة في القول بكسب الأفعال، ولا يعني ذلك أنم شخصيتهم الفكرية لم تظهر في آرائهم هذه، لا؛ وإنما القصد أن أخذوا بأقوال غيرهم، لأن النقاش ابتدأ مع غيرهم فكان لا بد لهم من أن يحددوا رأيهم حتى لا يتم تصنيفهم مع آراء وفرق يرفضونها لمباينتها المباينة الكبيرة لأصولهم الأولى، فهم قالوا بخلق القرآن –وهو قول المعتزلة في الأصل- لأن هذا القول يستلزمه تنزيه الله تعالى، وهو من أصول الإباضية، وقالوا بكسب الأفعال وفاقا للأشاعرة، لأنه يوافق أصلهم بأن الله خالق كل شيء، وهكذا.

فهم ليس لديهم بداية جدلية في الآراء التي ظهرت، لكنهم يأخذون بالأقوال التي توافق أصولهم، ومن هنا قلنا إن الإباضية لم يطرقوا علم الكلام عن أصالة، بل لتحديد موقفهم من الآراء الحادثة في الأمة.

س: الجدلية القائمة بين الغزالي وابن رشد في "تهافت الفلاسفة" و"تهافت التهافت" ما فحواها؟ وما مغزاها؟.

خميس: مدار هذا هذه الجدلية هو النص، حيث يرى الغزالي في "تهافت الفلاسفة" أن الفلسفة ابتعدت كثيرا عن حقيقة النص الشرعي، فوقع الفلاسفة الإسلاميون في مخالفات جوهرية لعقائد الإسلام، وأخذ أبو حامد الغزالي يتتبع هذه المخالفات ويرد عليها واحدة واحدة، بداية قدم العالم وحقيقة الألوهية وعلم الله تعالى، وانتهاء بالنفس الإنسانية، إلا أن الغزالي في رده على الفلاسفة لم يستطع أن يتحرر من خلفيته الأشعرية، ولذلك وجد في رده الكثير من الثغرات، مما حدا بابن رشد أن يصنف كتابه "تهافت التهافت" وذهب فيه أن الفلسفة لا تتعارض مع النصوص الشرعية، بل الشرع يلزمنا الأخذ بالفلسفة، وأخذ يوافق بين الفلسفة والنصوص الشرعية بضروب شتى من التأويل المتكلف.

وفي الحقيقة الصراع الجدلي الناشئ بين الفيلسوفين مرده غموض منطقة عمل العقل لديهما، وعدم اتضاح منطقة "التسليم" ومنطقة "البحث" لهما.

س: ما مدى اقتراب مقولة ديكارت "أنا أفكر؛ إذن أنا موجود" من التفكير الإسلامي؟.

خميس: رينيه ديكارت نشأ في نهاية فترة المسلمات، على مشارف عصر النهضة عند الأوروبيين، فديكارت نظر إلى المسلمات في وقته، فوجد في معظمها خرافات متوارثة، وقد كرس هذه الخرافات النصوص الدينية في التوراة والإنجيل، مما حدا به أن يشك في كل شيء، حتى شك في حقيقة الوجود، وكان مبتغاه من ذلك أن يصل إلى اليقين، ولذلك عندما نظر إلى أبسط القضايا وهي أنه في حاله الآن يفكر، وطالما أنه يفكر فهناك –لا محالة- شيء يحمل هذا التفكير وهو الجسد، أي الإنسان، فالإنسان إذن موجود لكونه يفكر، ولذلك قال: "أنا أفكر؛ إذن أنا موجود" فاتخذ من الشك طريقا حتى يصل إلى اليقين.

وكان هذا المنهج ثورة في التفكير الإنساني استطاع أن يحطم به الكثير من الخرافات المتوارثة، وشكل وجوده منعطفا في الحياة البشرية، وعلينا أن نبين أن ديكارت كان مسبوقا من قبل فلاسفة قبله إلى هذا المنهج، لكن يعود إليه الفضل في بلورته وتعميمه وتحدي الواقع به.

وذلك انبهر الكثيرون من المفكرين والفلاسفة الإسلاميين بهذا المنهج الديكارتي، فأخذوا يعزون أصله إلى القرآن الكريم، حتى كتب المفكر الإسلامي الكبير محمد عمارة أن ديكارت مسبوق إلى هذا المنهج من قبل إبراهيم عليه السلام، وقد حكاه عنه القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.

٤ / ٥