لقاء حول الفلسفة مع ش. خميس بن راشد العدوي
الجزء ١ · صفحة ٣والمشكلة في علم الكلام أنه ولج منطقة غير مسموح له بولوجها، فعندنا نحن المسلمين منطقتان؛ وهما:
- التسليم: وهو يتعلق بالغيب كذات الله تعالى والجنة والنار وكيفية والقضاء والقدر في علم الله، فأما ذات الله تعالى لم يأتينا بشأنها نص، وكل ما جاءنا هو آثار قدرة الله تعالى في الكون، وأما القيامة وما يحدث فيها من حساب وجنة ونار فيجب التسليم لكل ما جاء به النص القطعي فقط، والقضاء والقدر بما يتعلق بعلم الله تعالى فهو داخل في موضوع ذاته تعالى التي يجب التسليم بعدم إدراكه.
- البحث: وهو يتعلق بالمخلوقات ومنها الكون ونواميسه، وتطبيق النصوص الشرعية بإنزالها أرض الواقع، أي البحث في القوانين الإلهية الكونية (الحركية والاجتماعية)، وفي القوانين الإلهية النصية (الكتاب والسنة).
الذي حدث في تأريخ المسلمين أنهم بحثوا في دائرة التسليم، فتكلموا في الذات الإلهية، فوصف بعضهم الله تعالى وتنزه بما لا يليق به جل وعلا، فوقعوا في التجسيم والتشبيه، وفاتهم أن ذاته تعالى لا تدرك، وأن ما ذكره مما في ظاهره يدل على الذات فهو في الحقيقة يدل على أثر قدرته جل وعلا، فاليد تدل على النعمة والقوة والبطش، والعين تدل على الحفظ والعناية والرعاية، وهكذا.
بحثوا في دائرة التسليم كثيرا، وأهملوا دائرة "البحث" الحقيقية، إلا اللهم بعض الجوانب كالفقه واللغة، بل حتى في هذين الأمرين جمد اللاحقون على ما أنتجه المتقدمون.
والذي نطالب به أن يتم تعديل ميدان البحث في علم الكلام؛ بحيث يكتفوا بالتسليم في دائرة التسليم، وتكريس البحث في دائرة البحث، يجب أن تكون هذه هي مهمة علم الكلام الآن، وعلينا تخطي المناهج السابقة بإيجاد مناهج سليمة ونافعة للمسلمين في هذا العصر، والمناهج السابقة تبقى للاستفادة منها لا للتقيد بها.
س: ماذا ترى في علم الكلام الإباضي؟.
خميس: بداية دعني أقسم الفرق بالنسبة لعلم الكلام:
· … المعتزلة: وقد استخدموا علم الكلام في الدفاع عن العقائد الإسلامية القطعية ورفضوا الروايات في مجال العقيدة، فأصابوا في الكثير من القضايا لأنهم تخلصوا من الفلسفة "المنصوصة" التي دخلت عن طريق هذه الروايات، إلا أنهم قد وقعوا في الخطأ من حيث إنهم تكلموا في دائرة "التسليم"، وذلك نجد شطحاتهم في خلق الأفعال والتقبيح والتحسين العقليين ونحو ذلك.
· … المشبهة: وهؤلاء عكس المعتزلة، حيث تقبلوا الروايات الموضوعة واعتقدوا بها ورفضوا مناقشتها، واعتبروا استخدام العقل في مناقشة هذه القضايا ضربا من الزيغ، ونادوا بذم علم الكلام لأنه متأثر بالفلسفة، والحقيقة أن ما وقعوا فيه هؤلاء المشبهة أخطر بكثير لأنهم رفضوا الفلسفة "معقلنة" لكنهم أخذوها "منصوصة" بفعل المرويات واعتبروها من الدين، وهي في حقيقتها دخيل من الفلسة اليونانية التي عبرت إلينا عن طريق أهل الكتاب.
· … الأشاعرة: وهؤلاء حاولوا أن يكونوا وسطا بين المعتزلة والمشبهة، فسلكوا مسلك الجمع بين المرويات وبين المنهج الجدلي المستخدم من قبل المعتزلة.
أما بقية المذاهب والفرق فهي متأثرة بإحدى الفرق الثلاث.