لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ مصطفى بن محمد شريفي

لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٣

لماذا خلقنا الله؟

لمصطفى محمود

في كل لحظة منذ ميلاد الإنسان حتى موته .. منذ يقظته في أول ساعات الصباح حتى دخوله في الفراش لينام .. و هو يتعرض لامتحان تلو امتحان.

كل لحظة تطرح على الإنسان موقفا و تتطلب منه اختيارا بين بديلات.

و هو في كل اختيار يكشف عن نوعية نفسه و عن مرتبته و منزلته دون أن يدري.

شهوته تناديه ليشبعها.

قد تكون شهوة إلى طعام، أو شهوة إلى إمرأة، أو شهوة إلى سلطة، أو شهوة إلى جاه.

و إشباع أي شهوة يستدعي تأجيل الأخرى، و تكشف النفس عن منزلتها بما تفضله، و بما تعجل إليه من شهوات من أدنى السلم حيث الإنسان هو الحيوان الذي لا يشغله سوى شهوة بطنه أو عضوه التناسلي، إلى الطاغية الجبار الذي لا شاغل له سوى شهوة التسلط على الآخرين و سحقهم و استغلالهم .. يكشف لك اختيارك عن نوعك و منزلتك و رتبتك.

و يقول لك سلوكك .. من أنت .. بين هؤلاء الشهوانيين .. و أي نوع من الحيوان أنت .. فإذا رفضت هذه الشهوات جميعها و استجبت لنداء المنطق و الاعتدال .. فأنت من أهل النظر و العقل و أنت إنسان و لست حيواناً.

و لكن الإنسانية أيضا درجات و العقل درجات.

و أدنى درجات العقل هو العقل المادي البحت الذي لا يعترف إلا بالواقع المحدود الذي يراه و يعيشه، و ينكر تماما ما وراء هذا الواقع الملموس المحسوس.

و يكاد يكون هذا العقل عضوا ملحقا بالحيوان الذي حكينا عنه يعمل في خدمة شهواته، و ذلك بالتماس المبررات و اصطناع المنطق و الذرائع لاقتناص اللذات.

فإن احتكمت في سلوكك لهذا العقل فأنت مجرد حيوان متطور تستخدم طلقة المسدس بدلا من المخالب، و تتآمر بالعقول الإلكترونية بدلا من الانطلاق وراء غضب عشوائي غير محسوب.

و لكن النتيجة مازالت واحدة .. إنك مجرم .. و حياتك هي مخطط إجرامي .. مهما بدت في ظاهرها مهذبة معقولة و منطقية.

إنها أدنى درجات العقل و أخس منزلة من منازل العقلاء.

فإن ارتقيت درجة فأنت تستشعر بشيء وراء الواقع.

و لكن هذا الاستشعار لا يزيد عن شبهة و ظن.

و لكن هذه الشبهة و هذا الظن يؤديان بك إلى أن تكون أقل مادية، و أقل ظلما و أقل صلفا و أقل غرورا، و أقل اقتناعا بالمنطق المقفل و بالواقع الغليظ المحدود.

و بين حين و آخر سوف تظهر عليك بدوات و سوانح تضحية وكرم.

و سوف تعطيك لمسة الغيب بعض المواقف الشاعرية.

و سوف تتأرجح بين هذه المنازل على حسب ما في نفسك من خير .. و ما في عقلك من نور.

فإذا ارتقيت أكثر فإن الاستشعار الروحي للغيب و الإحساس بما وراء الواقع سوف يغلبان على عقلك المسجون في زنزانة الماديات، و سوف تنفتح لك نوافذ من البصيرة و الحكمة تضيء الظلمة التي تزيد عليك من غواشي الحس، و سوف يبدو كرم الخلق كأنه طبعك.

٣ / ٧