لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤و لكن استشعار الغيب لم يرتفع بعد ليصبح يقينا .. و إنما هو مجرد ترجيح.
فإذا حدثك أحد عن وجود الله فأنت تميل إلى تصديقه .. و لكن ليس لدرجة أن تصلي و تصوم و تدين بالعبادة.
و غاية ما تبلغ إليه من حال .. أن تعتقد أن هناك قوة ما وراء الأشياء .. و أنك تخشى هذه القوة.
و لكن ما عدا ذلك غير واضح، و اهتمامك بالدنيا يغطي على هذا الإحساس .. و أنت تمضي في حياتك تحاول أن تحقق أقصى النفع و لكنك تتحرى ألا تؤذي أحدا.
فإن ارتقيت أكثر فإن الاستشعار الروحي يتضح أكثر و غواشي الحس تنحسر عنك أكثر و أكثر، و يخالجك اليقين بأنك لست وحدك .. و بأنك لم تكن قط وحدك .. و إنما كان الله دائما معك و أنت تسمي هذه القوة لأول مرة باسمها الديني .. الله .. و تصفها بما وصفتها به الكتب السماوية من أسماء حسنى .. و تسند إليها العناية و الخلق و الوحي.
و تتفاوت المراقي في هذه الرتبة الشريفة من المؤمن العادي الذي يصلي و يصوم و يتحرى الخير، و لكن نفسه تغالبه إلى السقوط في الدنيا بين حين و آخر .. إلى المؤمن صاحب الإيمان الرفيع الذي يعيش في شهود و حضور و امتثال للذات الإلهية على الدوام فيعبد الله كأنه يراه.
و منزلتك في كل درجة من هذه الحالات يشهد عليها سلوكك .. فإذا كنت من أهل هذا الإيمان الرفيع فلابد أن تكون من أهل الإحسان .. تتقن كل عمل يوكل إليك دون نظر إلى مكافأة .. و تعامل أعداءك بالتسامح و النصح، و تجاهد الباطل بيدك و قلبك و لسانك و لا تخشى في الحق لومة لائم، و تزجر شهواتك و هي مازالت همسا في الخاطر و قبل أن تنمو إلى دوافع و أعمال.
و لا حقيقة لحال إلا إذا شهد عليه عمل، و لهذا يقلبك الله بين المواقف بين لحظة و أخرى من لحظة تصحو إلى لحظة تنام، و كل لحظة تضعك في موقف.
و كل موقف يتطلب منك اختيارا بين بديلات، و لا يعفيك من الامتحان ألا تختار .. لأن عدم الاختيار هو في ذاته نوع من الاختيار .. و معناه أنك ارتضيت لنفسك ما اختارته لك الظروف أو ما اختاره أبوك، أو ما اختارته شلة أصحابك الذين أسلمت نفسك لهم.
و معنى هذا أن الحياة تعريك في كل لحظة، و تكشف حقيقتك و تنزع عنك قشرتك لتخرج مكنونك و مكتومك.
و المكر الإلهي هنا هو أن يضعك في موقف بعد موقف، و مشكلة بعد مشكلة .. و كل مشكلة تتطلب حلا .. و كل حل يتطلب اختيارا .. و كل اختيار يكشف عن حقيقتك رغما عنك مهما حاولت الاستخفاء.
و بقدر ما تمتد حياتك يوما بعد يوم .. بقدر ما تتمزق عن وجهك الأقنعة .. و يظهر و يفتضح أمرك و ينتهك سرك.
و الله يعلم حقيقتك و سرك من البداية .. و لكنك أنت لا تعلم و لا تريد أن تعلم .. لأنك مدع .. و كل منا مدع ..
كل منا يتصور أنه رجل طيب و أنه مستحق لكل خير، حتى الجبارون الذين شنقوا و سجنوا، و عذبوا شعوبهم تصوروا أنهم مصلحون.
كل منا جاء إلى الحياة و معه دعوى عريضة مزعومة بأنه رجل صالح و طيب.
و لهذا اقتضى عدل الله أن يطلعنا على حقائقنا، حتى لا تقوم أعذار حينما يبدأ تصنيف الناس في الآخرة حسب درجاتهم .. و حتى يكون التصنيف على حسب الحقائق، و ليس على حسب المزاعم و الدعاوى.
و لهذا خلق الله الدنيا.
خلقها لتنكشف الحقائق على ما هي عليه .. و يعرف كل واحد نفسه و يعرف مقدار خيره و شره .. ثم ليعرف الأبرار خالقهم و ربهم، و ليذوقوا رحمته قبل لقائه.
ثم خلق الآخرة لتنكشف فيها حقائق الربوبية، و عالم الملكوت و الجبروت و الغيب.
و الله لا يخلق أي شيء إلا بالحق و للحق، لأنه سبحانه هو الحق.