مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٨مفرّ للدّهريّة من تهمة التّشبيه (1). ولأنّه لم يعط إيضاحات إضافيّة، من الصّعب معرفة نظريّات أولئك الدّهريّة وتصوّرهم للجوهر. لكن من الثّابت أنّ فلاسفة مسلمين أكّدوا، على أثر [أرسطوطاليس]، أنّ الله موجود وجوهر وعلّة (2). وتفنيد تبغورين للدّهريّة يرتكز على رفضهم وجود علّة أولى أوجدت العالم. فقدم العالم أوّل بند في مذهبهم (3). لكن من الثّابت أنّه حوّل في محاجّته معنى مصطلح جوهر إلى معنى جسم. ندرك بنحو أفضل لماذا لم يكن ليقبل كلمة جوهر أكثر من كلمة جسم لمّا نرى الفرق بين وجهتي نظر علماء الأصول والفلاسفة المسلمين: يستتبع مفهوم الجسم التّغيّر، الانتقال من حالة إلى أخرى، مثلا من الطّفولة إلى الشّباب فالكهولة كما يلاحظ تبغورين، بينما الجوهر في اصطلاح الفيلسوف موجود قائم بذاته لا في
(1) - أثبت الدّهريّة قدم الجواهر رغم الأدلّة المتعدّدة على حدوثها. فالجسم لا ينفصل عن الأعراض الّتي تقوم به وتتعاقب فيه، وهو لا يسبقها ولا يتبعها. وما لا يقوم بغير الحادث حادث مثله، وما لا يبقى بعد الفاني فان مثله. انظر أصول ص4. لنا أن نتساءل بأيّة طرق وصل إلى الدّهريّة مفهوما الجوهر والعرض الغريبان عن الفكر السّاميّ والمستعاران على الأرجح من أرسطوطاليس (المنطق 1، المقولات (قاطيغورياس) 5، الجوهر. واضح أنّهما دخلا في قاموس مصطلحات علم الكلام منذ (ق 2هـ/8م) مع ممثّلي الاعتزال كما نرى من مقالات الإسلاميّين للأشعريّ.
(2) - العلّة aitia انظر أرسطوطاليس "ما بعد الطّبيعة" 11: 5؛ الجوهر ousia المصدر نفسه 11: 1؛ موجود esti.
(3) - انظر مقال [غولدتسيهر] و [غواشون] "الدّهريّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، الجزء 2.
موضوع (ويقابل العرض) (1)، وهو مصطلح يأخذ في الله معنى أرقى لأنّ ماهيته تتطابق مع وجوده الواجب بذاته. لكن بما أنّ المتكلّمين الأوائل أعطوا لمصطلح جوهر معنى مادّيّا صرفا، لا يجوز