مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٥الإنسان. لكنّ قضيّة الاختيار تظلّ قائمة بأتمّها. هل للإنسان استطاعة الفعل بحرّيّة؟ (2)
(1) - الشّركة هي إضافة الفعل إلى فاعلين على وجه واحد؛ أصول، ص13.
(2) - طُرحت مسألة الاستطاعة للنّقاش في فترة مبكّرة عند الإباضيّة، وكانت محلّ جدال مع المعتزلة منذ أيّام الرّستميين: ذُكر أنّ الإمام محمّد بن أفلح (241 - 281هـ/856 - 895م) وضع في الاستطاعة أربعين كتابا (انظر الشماخي: السّيَر). وفي أيّامه ناظر فيها عبد الله اللّمطيّ المقرّب له عالما معتزليّا (انظر [موتيلنسكي]، أخباَر ابن الصّغير، في مؤتمر المستشرقين العالميّ 14 بالجزائر في (1905م)، ص44 و108 - 109؛ [ليفيتسكي]، المؤرّخون 16؛ البرّاديّ: الجواهر، ص179 - 180). روى الجاحظ أنّ شيخا ينتحل الإباضيّة هو ختَن أبي بكر بن بريرة كان يقول بأنّ الاستطاعة مع الفعل (كتاب الحيوان، نشر عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة، (1356هـ/1938م)، 3: 9
وهل توجد فيه هذه الاستطاعة باستمرار؟ هل تسبق الفعل وتنتهي لحظة الفعل بإنجازه أو الامتناع عنه؟ عند المعتزلة (1) الاستطاعة قدرة مستمرّة في الإنسان تسبق الفعل فتنتج الفعل أو ضدّه، مثلا الإيمان أو الكفر. أمّا عند تبغورين فالاستطاعة مع الفعل لا تزايله. لا يؤكّد أنّ الله يخلق هذه القدرة بمناسبة كلّ فعل (2)، بل أنّ الفعل دليل عليها وعلى وجودها.
(1) - تلك فكرة متداولة عند المعتزلة الّذين يختلفون حول طبيعة الاستطاعة. انظر الأشعريّ: مقالات 1: 274، وكذلك ش بوعمران: قضيّة الحرّيّة الإنسانيّة في الفكر الإسلاميّ (الحلّ المعتزليّ)، باريس، [فرين]، (1978م)، ص177 - 180. قال بعض المعتزلة كأبي الهذيل ومعمّر والمردار هي عرض وهي غير الصّحّة والسّلامة، وقال آخرون كبشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس وغيلان هي السّلامة وصحّة الجوارح وتخلّيها من الآفات، وهي فكرة يشاركهم فيها ابن حزم. انظر [أرنلديز]: عقيدة ابن حزم، في وقائع المؤتمر الأوّل للدّراسات العربيّة والإسلاميّة، قرطبة، (1962م)، طبعة (1964م)، ص143. يجدر بالذّكر أنّ فرقة الحارثيّة الإباضيّة كانت تؤكّد كالمعتزلة أنّ الاستطاعة تسبق الفعل. انظر البغداديّ: الفرق، ص84. وقد أشار تبغورين إلى هذه المواقف المختلفة: أصول، ص52 - 53.
(2) - قد نفكّر بذلك لمّا نراه في باب العون والعصمة يعرّف استطاعة الكفر بالخذلان واستطاعة الإيمان بالعون. يمكن تقريب تعريفه للعون والعصمة من مفهوم النّعمة في اللاّهوت المسيحيّ: "هو شرح الصّدر والهداية إلى الخير، توجيه الله للمؤمنين عند قيامهم بالفعل إلى الإيمان وإخلاص الدّين لله، فيكون حاجزا على الضّلال والكفر، وذلك بإنعام وفضل من الله على المسلم يقوّيه أمام الشّيطان - ومن يريدون بإذنه إيذاء المؤمن، ورحمة من الله من لطائف تدبيره. "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكنّ الله يزكّي من يشاء" (ق 24: 21). انظر أصول، ص57.
يفضي هذا إلى تصوّر تجزيئيّ