مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٩مسموع وهو فعل الله وخلقه. وإنّما يفعل الإنسان القراءة والقراءة الحركة وهي غير القرآن. وأحال أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة في وقت واحد، وزعم أنّه في المكان الّذي خلقه الله فيه (2). يرفض تبغورين هذا التّقسيم، معتبرا أنّ ترتيل القرآن وتلاوته وقراءته عين القرآن لا شيء آخر. قراءته منّا وهي صادرة عنّا: فكلّه إذن فعل الإنسان. بأيّ معنى إذن يكون القرآن كلام الله؟ يجيب تبغورين: بأنّ الله خلقه كلاما لا من أحد وابتدأه لا من أحد ولم يسبقه إلى تأليفه وإحداثه أحد، بنفس المعنى الّذي تنسب إلى النّبيّ أقواله، وتُنسب إلى الشّاعر قصائده لأنّه استمدّها من ذاته (3). ويلتقي جوابه مع جواب المعتزلة كالقاضي عبد الجبّار (4). ذلك جواب حذر لا مطعن عليه، لكنّه يبقى دون محاولات معتزلة البصرة وبغداد، باجتناب البحث في
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص51.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص245.
(3) - أصول، ص62.
(4) - "وإن لم يكن (القرآن) محدثا من جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن محدثا من جهته الآن". عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، نشر عبد الكريم عثمان، القاهرة، (1384هـ/1965م)، ص528.
العلاقة بين فعل الكلام الإلهيّ والقرآن، كلام الله والرّكائز الإنسانيّة الّتي يتجسّد فيها، ويدع جانبا مسألة الأمر الإلهيّ "كن" مطبّقا على القرآن، والتّمييز الّذي أقامه أبو الهذيل العلاّف بين أمر التّكوين وأمر التّكليف والّذي سمح له بوضع الكلام الخالق فوق الخلق. اكتفى تبغورين بتأكيد أنّ القرآن خبر وحقّ وهدى وأنّه أتى من الله، وسعى بذلك جاهدا إلى حفظ طابعه المخلوق ووحدته، ولذلك رفض افتراض وجود قرآن علويّ، أصل سماويّ مكنون في اللّوح المحفوظ، وهو الحلّ الّذي خطا باتّجاهه بعض معتزلة بغداد