مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٣يستشهد القائلون بالرّؤية- الأشعريّ وأتباعه- بالآيتين: "وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة" (ق 75: 22 - 23)، وكثيرا ما يضيفون إليهما حديثا جاء في نفس السّياق: "ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر ولا تُضامون في رؤيته" (4). تعني الآية: "إلى ربّها ناظرة" بلا ريب توجّه الأنظار إلى الله ولا شيء سواه. يوضّح تبغورين معنى الآية "إلى ربّها ناظرة" وكلمة ناضرة بآيات قرآنيّة موازية (80: 38، 83: 24)، وفعل نظر خصوصا أصل الإشكال ويجب فهمه بمعنى انتظر الّذي يؤيّده استعمال اللّغة العربيّة والشّعراء، والمقصود إذن أنّ أهل الجنّة ينتظرون فيض نعمه، والآية لا تشير إلى رؤية الله. يتعلّق الاعتراض الثّاني بجزء الآية "إلى ربّها": المنظور إليه هو الله ولا شيء سواه. يردّ تبغورين: ليس المقصودُ ذاتَه بل هو الفعل الّذي يفعله. كذلك لمّا يقول القرآن: "ألم تر إلى ربّك كيف
(1) - أصول، ص65.
(2) - "وقال قائلون منهم ضرار وحفص الفرد: إنّ الله لا يُرى بالأبصار، ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسّة سادسة غير حواسّنا هذه، فندركه بها وندرك ما هو بتلك الحاسّة". الأشعريّ: مقالات ج1 ص264).
(3) - الأشعريّ: كتاب الإبانة عن أصول الدّيانة، المنيريّة، القاهرة، (1348هـ)، ص16.
(4) - صحيح مسلم، باب الإيمان، ص299.
مدّ الظّلّ" (ق 25: 45)، المعنى الجليّ: ألم تر إلى الظّلّ كيف يمدّه الله؟ بنفس النّحو ينبغي تأويل الحديث المذكور والّذي يعني: لا تشكّون في وجود ربّكم يوم القيامة كما لا تشكّون في القمر وهو يسطع ليلة البدر. يقرّر تبغورين كمبدأ عامّ أنّ العرب كثيرا ما يستخدمون الكلمات على المجاز. وبإمكان الخصوم أن يقلبوا ضدّه هذا التّأكيد. وقد عرّض نفسه فورا إلى ذلك النّقد في ردّه على الاعتراض الثّالث. أساس هذا الاعتراض القياس على التّناسب بين المعرفة العقليّة والإدراك الحسّيّ: فإنّ حدود إدراكنا لحقيقة الله لا تنفي هذه المعرفة ولا تحيل الله إلى الموضوعات الصّوريّة لملكة المعرفة. قياسا على ذلك ومع أخذ الفروق بعين الاعتبار، يمكن أن يكون الشّأن مماثلا بالنّسبة إلى الرّؤية: كما نؤكّد معرفة الله