مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٥يقولون برؤية بالفؤاد (2)؟ ذلك ممكن. تناظر خاصّة العلم تلك ربّما ملكة التّجريد (3)، ويرى من اللاّزم تمييزها عن ملكة الإدراك الحسّيّ الّتي لها طابع خاصّ يحدّده موضوعها: فالبصر يدرك الألوان فقط ولا يمكنه إدراك الوقائع الّتي تلتقطها الحواسّ الأخرى. ومزيد القوّة الّذي يُمنح لعضو لا يخرجه من مجاله المحدّد: ذلك تلميح مقنّع إلى حلّ نادى به الأشعريّ (4)
(1) - خاصّة العلم تتبع القلب، ويدرك بها الأشياء من جهة اختلافها وتضادّها، وليس في إدراكها لها أيّ لبس. ألا ترى أنّ القلب يعلم كلّ المحسوسات، ويعلم المحدث والقديم، لكنّ كلّ حاسّة لا تدرك ما تدركه حاسّة أخرى والحواسّ لا يدرك بعضها بعضا. فالقلب يعلم كلّ الأشياء في اختلافها أمّا البصر فلا يدرك غير اللّون حتّى لو زيدت قوّته 10 أضعاف. والأمر كذلك في بقيّة الحواسّ. أصول، ص67.
(2) - "أجمعت المعتزلة على أنّ الله لا يُرى بالأبصار واختلفت هل يُرى بالقلوب، فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: نرى الله بقلوبنا بمعنى أنّا نعلمه بقلوبنا. وأنكر هشام الفوَطيّ وعبّاد بن سليمان ذلك". الأشعريّ: مقالات ج1 ص265. عبّاد بن سليمان العمريّ (ت ح 250هـ) تلميذ هاشم الفوَطيّ من مدرسة البصرة.
(3) - ميّز القاضي عبد الجبّار- الّذي ربّما استمدّ منه تبغورين تحليله- بنحو أوضح بين هذين النّوعين من الإدراك: "العلم يتعلّق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلّق بالموجود والمعدوم، والمحدَث والقديم، فإن كان معدوما عُلم معدوما … وليس كذلك الرّؤية فإنّها لا تتعلّق إلاّ بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى". شرح الأصول الخمسة، ص252.
(4) - "لا يثبت البصر للنّظر إلى الله إلاّ أن يقوّيه"، الأشعريّ: الإبانة، ص16.
دون أيّ حكم مسبق على إمكانيّة إدراك الإنسان لله بواسطة خاصّة العلم الّتي لا يبتّ فيها في آخر المطاف، تبقى رؤية الله بالعين النّقطة الّتي يركّز عليها محاجّته، وهو ينفيها نفيا قاطعا. ولتفنيد من يستبقون تلك الإمكانيّة للآخرة، يلجأ تبغورين إلى تدليل يجمع بين الاستنتاج التّضمينيّ وبرهان الخُلف. لو جاز أن يدرك البصر الله في الآخرة لجاز أن يدركه في الدّنيا. لا يخلو ذلك من أحد أمرين: إمّا إدراكه في مكان دون سواه، وإمّا في كلّ الأماكن معا. تعني الحالة الأولى