مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤

الله بن وهب الرّاسبيّ. وغادرت مجموعة أخرى البصرة بقيادة مسعر بن فدكي والتحقت بهم. وقد أقاموا معسكرهم قرب النّهروان في الموضع الّذي شيدت عليه بغداد لاحقا. بعد هزيمة النّهروان (9 صفر 37هـ/17 يوليو 658م) الّتي لقي فيها الرّاسبيّ مصرعه، آلت قيادة الخوارج إلى المستورد بن عُلّفة.

كان لا بدّ من التّذكير بإيجاز بهذه الأحداث الأولى الّتي هي أصل الانقسامات السّياسيّة الدّينيّة الّتي مزّقت الأمّة الإسلاميّة. والإباضيّة وإن كانوا يكرهون أن يصنّفوا بين الخوارج(1) لا يخشون التّصريح بأنّهم ورثة المحكّمة والحروريّة، ويعدّون في جماعتهم عبد الله بن وهب الرّاسبيّ(2). ونقدهم لعليّ لا يصل حدّ نعته بالشّرك مثل غلاة الخوارج، بل يعتبرون موقفه كفر نعمة(3). يعترفون له بإمامة حقه أساسها العلم ورفعة المقام. وإنّما تمثّل خطأه عندهم في التّردّد والقبول في النّهاية بالتّحكيم رغم اعتراضات القرّاء. ويحسبون له ندمه، "فالاعتراف بالذّنب والتّوبة والإقرار علنا بالخطأ كان يكفي ليُعذر هو بالخصوص وأمثاله"(4). لكنّ هذا

(1) - يؤكّد ذلك بوضوح: أبو اليقظان إبراهيم في "دفع شُبه الباطل" (نصّ مرقون، مطبعة القرارة 1386هـ/1966م) وإبراهيم بيّوض في: "الإباضيّة ليسوا خوارج" (أجوبة وفتاوى، نالوت، 1390هـ/1971م، ص37 - 53).

(2) - محمّد بن يوسف أطفيّش: "الرّسالة السّلفيّة في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب" (طبعة حجريّة 1299هـ/1880م، ص177)

(3) - انظر الأشعريّ: مقالات ج2 ص126، لـ[فكيا [فاليري]]، نزاع (ح م ج د ش ن، ج4 (1952م) ص69 - 71).

(4) - "يقولون لعليّ: أنت الإمام الحقّ، ويقرّون له بالإمامة والعلم والمقام الرّفيع. ويرفضون التّحكيم الّذي قبل به ويقولون: حيث أعطى الله الحكم لحكمين، كما في الصّيد المحرّم والشّقاق بين الزّوجين، فالحكم لهما، أمّا حيث - حكم الله فحكمه يسري، وتلك حالة قتال الفئة الباغية. وليس لأحد أن يتخلّى عنه أو يماطل ليعرف إن كان حقّا مواصلته أو التّخلّي عنه. قال له الإباضيّة: تب عن التّحكيم وارجع معنا لقتال عدوّنا وعدوّك (أهل الشّام في ذلك الوقت. لهذا السّبب أو بسبب الأكاذيب الّتي نُقلت له عنهم، أو بسبب ما فعل بعض الجاهلين بدون أمره ولا رضاه، قُتل أغلبهم. يقال إنّ 4 آلاف قُتلوا وبقي 10. قالوا له: إنّ العهد الّذي عقدته مع معاوية للتّحكيم معصية ويجب أن تنقضه، وممنوع أن تفي به، مجيبين بذلك على اعتراضه أنّه يجب الوفاء بالعهود. وصحيح أنّ عليّا تاب وتبيّن له أنّه ارتكب معصية بقتلهم، لكنّه أظهر توبته بمدحهم. الاعتراف بالذّنب والتّوبة والإقرار علنا بالخطإ كان يكفي ليُعذر هو بالخصوص وأمثاله". أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة ص161 - 162. حول حكم الخوارج على عليّ انظر كذلك المسعوديّ: مروج الذّهب (ترجمة [بلاّت]،ج3 ص680، الفقرة 1729).

١٤ / ٤٩٤