مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

لّذي يميّز الأشياء ويبسط عليها سلطانه، والّذي يحكم ويدرك كذلك العلوم، لا يمكن أن يتعارض مع الشّرع. يبدو معيارا ذاتيّا ومتعارضا مع واجب تلقّي المعرفة من معلّم وفي قالب تعليم خارجيّ. والحقّ أنّ الإباضيّة أكّدوا بقوّة وجود مصدر ذاتيّ باطن للمعرفة في باب الحجّة (أي معرفة الله الطّبيعيّة). هل يطابق القلب المنقّى في فكر أبي سهل الفطرة، أي القلب الّذي هو بطبعه على دين الإسلام إن جاز التّعبير، موافقا بصفة غريزيّة للحقيقة المنزّلة؟ في الواقع لا يوجد تعارض، لأنّ تبليغ تعليم

(1) - علم أسرار القلب غايته تنقية وتطهير القلب الّذي ينظر الله إليه في المقام الأوّل. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم. لأنّ القلب هو الأساس والقطب الّذي يتبعه كلّ شيء، بل هو الملك والرّئيس وبقيّة الأعضاء تابعة. وقد رُوي عن سيّد الأنام هذا الحديث: إنّ في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كلّه وإن فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب، فإيّاكم أن تفسد. وهو مستودع كلّ نفيس عند الإنسان، وكلّ معنى له شأن يأتي أوّلا من العقل الرّوحانيّ الّذي يتبيّن به الأشياء ويحكمها. تجد فيه كلّ العلوم مرجعها. وهو يحكم عليها ويميّز بينها. والدّليل الّذي يحمله هو من الله تعالى. والشّرع لا يتنافى معه. وغايته معرفة الله تعالى. وهو أصل سعادة العبد في الدّارين. والقلب مقرّه. عقيدة ص25 س 8 وما بعده.

يفترض لدى المتلقّي استعدادا للتّلقّي، وبدءا تطابقا بنحو ما مع الحقيقة المقدّمة. هذا الاستعداد بُثّ في الأصل في قلب الإنسان، على الأقلّ كقدرة على التّمييز بين الخير والشّرّ، وبين الحسن والأحسن، ومعرفة الله غايته ومنتهاه. لمّا يؤكّد أبو سهل أنّ كلّ فكرة ذات وزن مصدرها العقل الرّوحانيّ الّذي منه يأتي تمييز الأشياء، يذكّر ذلك حتما ببعض أفكار الغزاليّ حول القلب. وراء المعنى الجسمانيّ وربّما بعلاقة به للقلب معنى ثان: فهو "لطيفة ربّانيّة وروحانيّة: هذه اللّطيفة هي حقيقة الإنسان، وهي المدرك العالم العارف من الإنسان … هذا المعنى الثّاني متعلّق لعلوم المكاشفة، وتحقيقه يستدعي إفشاء سرّ الرّوح" (1). طبعا ليس أبو سهل يحيى في المذهب الإباضيّ

١٤٠ / ٤٩٤