مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤١

الوحيد الّذي أكّد على دور القلب في المعرفة. بنحو شبيه، قال أطفيّش لاحقا بخصوص النّيّة: "هي عمل القلب لا يدخلها رياء والقلب هو منبع المعرفة" (2).

(1) - الغزاليّ: إحياء 3: 3.

(2) - أطفيّش: شرح كتاب النّيل، القاهرة ج10 ص181.

في موضع لاحق، بعد الحديث عن الشّفاعة، عاد الكاتب إلى موضوع القلب مشيرا إلى ضرورة عمليّة تطهير (1) يصل القلب من خلالها إلى أطوار أرقى. واستخدم مصطلحا من لغة التّصوّف الإسلاميّ: المنازل. يقتضي حفظ القلب وصونه يقظة دءوبا لما يدعوه- مثل المتصوّفة هنا أيضا- الأحوال (2)، وتنبّها إلى الخواطر الّتي كثيرا ما تنشأ فيه. في نفس الوقت لا بدّ من مجاهدة مجموعة من الرّذائل التي هي أعداء القلب بالمعنى الّذي حدّده به: الكبْر، الرّياء، التّباهي، الرّغبة، الحسد، الإلحاد، الكفر، طول الأمل (3) (رجاء استمرار البقاء)، التّسرّع، حبّ البروز، الإسراف، حبّ الدّنيا الّذي هو أصل كلّ الذّنوب، إيثار


(1) - عقيدة، ص23 - 24.

(2) - يفرّق الغزاليّ بين الحال العابرة والمقام الثّابت والّذي هو طور أرقى. الحال تميّز الطّالب، والمقام وضع السّالك. انظر إحياء ج4 ص142. يختلف معنى هاتين الكلمتين من كاتب إلى آخر. وبين المتصوّفة (كالسّرّاج) من قلبوا العلاقة بينهما: فالمقام عندهم مجموع الرّياضات الّتي يقهر بها الصّوفيّ نزعاته ويتجرّد من أعراض الدّنيا، فيعيش حياة زهد كالرّهبنة المسيحيّة. تعقب هذه المرحلةَ الانتقاليّةَ الّتي هي ثمرة جهد الإنسان (جهاد النّفس) الحالُ الّتي هي هبة من الله ويميّزها التّقلّب (كما يوحي معنى اللّفظ في العربيّة) وطابع ذاتيّ يتعذّر التّعبير عنه هو التّصوّف بالمعنى التّامّ: يطابق عند الكتّاب المسيحيّين الاتّحاد بالمسيح. انظر توفيق بن عامر: "حول الأحوال والمقامات في التّصوّف الإسلاميّ"، في إبلا عدد 135 (1975م)، ص33 - 37.

(3) - طول الأمل "له سببان: الجهل وحبّ الدّنيا، وهو أنّه إذا أنس بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الّذي هو سبب مفارقتها، وكلّ من كره شيئا دفعه عن نفسه؛ والجهل أنّ الإنسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشّباب". إحياء ج4 ص456 - 457.

الدّنيا على

١٤١ / ٤٩٤