مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

يُجلى الغموض الّذي يلفّها إلاّ لمن يعلّمهم الله التّأويل ويكشفها لهم. الرّضا هو أقصى ما يبتغيه أهل الجنّة. بهذا الصّدد ذكر الغزاليّ حديثا يقول إنّ الله يتجلّى للمؤمنين فيقول: سلوني، فيقولون: رضاك. وسؤالهم الرّضا بعد النّظرة نهاية التّفضيل في رأي الغزاليّ. ورضا الله على عبده قريب من الحبّ الّذي يخصّه به. وإنّما يسأل أهل السّعادة الرّضا بعدما ظفروا بنعيم النّظر، لأنّ الرّضا سبب دوام النّظر ورفع الحجاب (1). هذا التّصوّر كما نرى غريب عن تفكير أبي سهل وبصفة أعمّ الفكر الإباضيّ الّذي فضلا عن ذلك ينفي إمكانيّة رؤية الله.

(1) - الغزاليّ: إحياء ج4 ص343 - 344.

تلا ذلك نصّ حول القضاء (1) لا ينبغي أن يمرّ دون لفت انتباهنا، فهو يُبرز جوانب هامّة من المذهب الإباضيّ. لا نقول مع ذلك إنّه قدّم دراسة متكاملة لقضيّة العلاقة بين قضاء الله وحرّيّة الإنسان، فقد شدّد بالأحرى على موقف الرّضا التّامّ المطلوب أمام قضاء الله. هذا الرّضا فرض لازم، أوّلا لأنّه ليس مسموحا للإنسان بمساءلة الله على قضائه. ولأنّ القضاء بصفته قرارا إلهيّا يقتضي رضا العبد به وإلاّ لما كان الوضع وضع ربوبيّة وعبوديّة. ثمّ لأنّ لله وحده الحكمة الكفيلة بتحديد ما يناسب الإنسان أو لا. وإن كان الله قد نفى الإيمان عمّن لم يرض بحكم النّبيّ، فكيف بمن يثور على قضاء الله تعالى؟ هذا الرّضا، مع لزومه، يفترض في نفس الوقت استعدادات تنشأ عنها فوائد جمّة: طمأنينة النّفس، الشّعور بالأمن، الثّقة في حسن تدبير العناية الإلهيّة؛ وهو من جهة أخرى ينجينا من غضب الله ومن أخطار جسام، من الكفر والنّفاق. يعرض الكاتب كذلك

١٤٤ / ٤٩٤