مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٥المواقف الّتي تستوجبها في المؤمن شتّى الأوضاع الّتي يوجدها القضاء: قد تمسّ الإنسان سرّاء أو ضرّاء، قد يصيبه خير أو شرّ، فكيف ينبغي أن يتصرّف؟ يلزم في السّرّاء الرّضا بالله الّذي هو واهب النّعمة وبنعمته. وفي الضّرّاء الرّضا بصبر بالقضاء الّذي هو مصدره وبما قضى. الخير- بالمعنى الواسع الّذي تعطيه له اللّغة العربيّة والّذي يشمل الخير المادّيّ والمعنويّ على حدّ سواء- يستوجب بالأخصّ الشّكر. أمّا الشّرّ فليس مطلوبا من الإنسان الرّضا به من حيث كونه أمرا مكروها، وإنّما الاقتناع بحكمة الله وعدله.
(1) - انظر عقيدة، ص15 - 17.
عالج برصانة قضيّة أخرى، قضيّة مصير الإنسان في الآخرة. أكّد أوّلا تحديد مصير الإنسان بنحو مطلق في الأزل. وصياغته الّتي تتّفق مع التّقليد الإسلاميّ لا تدع مجالا للإفلات من تلك الحتميّة. فقد قال النّبيّ: "السّعيد من سعد في بطن أمّه". قد يُعترض بألاّ جدوى لأفعال الإنسان في تلك الحال، وهو يجيب بالإحالة على العناية الإلهيّة وتدبيرها الخفيّ. ومن الملفت أنّه يطرح ضمن التّوقّعات احتمالا تشاؤميّا هو إمكانيّة فقدان الإيمان ومعرفة الله في آخر ساعة من العمر. هكذا تظهر بكلّ وضوح مشيئة الله المطلقة: كلّ شيء تابع لقضاء الله الأصليّ، وقد يغيّر حدث لا يمكن التّكهّن به مصير الإنسان في ساعة العمر الأخيرة فتكون عاقبته ما يدعوه القرآن "الخسران المبين". ينسجم هذا الطّرح حول القضاء مع ما جاء في العقائد الإباضيّة الأخرى ويطابق موقف الأشاعرة. بهذا الصّدد يعدّ انسحاب الإيمان ساعة الموت احتمالا واردا بما أنّ مصير الإنسان محدّد مسبقا وتابع بنحو وثيق لعلم الله بالغيب.